
مع بداية المرحلة الجديدة التي يمر بها الشرق الأوسط، يبدو أن هناك تحول واضح في المشهد الإيراني، حيث تراجع نفوذ تيار المرشد الإيراني علي خامنئي وحرسه الثوري، في مقابل تقدم الإصلاحيين، خاصة مع ظهور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والطاقم السياسي المحيط به. هذا التحول يعكس وجود صراع سياسي داخلي بين المعسكرين في إيران، بما يتعلق بالخيارات السياسية وسُبل معالجة الأزمات الداخلية التي تعصف بالبلاد.
من أبرز الدلائل على هذا التحول، هو الطريقة التي تم بها تمثيل إيران في تشييع السيد نصرالله في لبنان، حيث اقتصر التمثيل الإيراني على السلك الدبلوماسي، وغاب مسؤولو الحرس الثوري الإيراني عن الظهور في هذه المناسبة. هذا الأمر يعكس تراجع دور الحرس الثوري في السياسة الإيرانية، وهو ما يعد مؤشراً على التوترات الداخلية في طهران بين تيار المرشد والإصلاحيين.
مصادر مطلعة في الشأن الإيراني تؤكد عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني أن هناك نقمة متزايدة داخل إيران تجاه سياسات المرشد الأعلى علي خامنئي، لا سيما بسبب الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتدهورة في البلاد. إذ يرى العديد من الإيرانيين أن سياسات خامنئي قد أضعفت الاقتصاد الإيراني، مما أدى إلى فرض عقوبات اقتصادية على طهران. هذه السياسات، التي سعت إلى دعم الميليشيات الإيرانية في المنطقة بدلاً من تحسين الوضع الداخلي، أثبتت فشلها. وتعتبر النقمة على هذه السياسات نابعة من المجتمع الإيراني الذي يرى أن الأموال التي كانت مخصصة لشؤون المواطنين تم صرفها لدعم الجماعات المسلحة في الخارج، من دون أن تحقق أي نتيجة ملموسة في حماية البرنامج النووي الإيراني أو تحسين الوضع الداخلي.
وفقًا للمصادر، بدأ الإصلاحيون في إيران يأخذون زمام المبادرة، محاولين تصحيح المسار عبر فتح قنوات دبلوماسية مع المجتمع الدولي، بعيدًا عن تهديدات الحرس الثوري، وهناك قناعة راسخة لدى الإصلاحيين بأن طهران بحاجة إلى تغييرات جذرية في طريقة تعاملها مع العالم، وأن استمرار سياسة التهديد لن يؤدي إلى حل الأزمات، فالإصلاحيون يرون أن إيران بحاجة إلى إظهار مرونة في مواقفها لكي تتمكن من العودة إلى طاولة المفاوضات وفك الحصار الدولي المفروض عليها، مما سيمكنها من العودة إلى الحياة السياسية العالمية الطبيعية.
تشير المصادر إلى ان هذا التحول في سياسة إيران يعكس ليس فقط التغييرات الداخلية في طهران، بل أيضاً الملل الذي بدأ يظهر في المجتمع الإيراني من استمرار سياسات المرشد التي أدت إلى عزلة إيران على الساحة الدولية. هذا التحول قد ينعكس أيضًا على لبنان، حيث قد يشهد تغييرات في طريقة تعاطي طهران مع الميليشيات التابعة لها، بما فيها “الحزب” وهذا ما يفسر النقلة النوعية في خطاب الشيخ نعيم قاسم، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها إيران على الصعيدين الداخلي والدولي.
في سياق متصل، إيران تمر بتخبط داخلي عميق، وهذا التخبط بدأ ينعكس بشكل جلي على العديد من الأذرع التابعة لها، وعلى رأسها “الحزب” في لبنان. فقد كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن قرار مفاجئ اتخذته قيادة “الحزب” بتجميد تعويضات مالية كانت تدفع لعناصره خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما يسلط الضوء على الأزمة المالية التي يمر بها الحزب نتيجة الأوضاع المتدهورة في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تم الكشف عن أن “الحزب” أصدر أوامر بإخلاء بعض المواقع العسكرية التابعة له في جنوب لبنان، وهو أمر يكشف عن حجم الضغوط التي يواجهها.
مصادر مطلعة تشير إلى أن هذه القرارات لم تكن مفاجئة، إذ تعكس الوضع الميداني والمالي المتأزم للحزب، فمن الناحية العسكرية، يبدو أن الحزب يواجه صعوبة في إعادة هيكلته وتعزيز قوته العسكرية في ظل فقدان طرق الإمداد، خصوصاً بعد تدهور الأوضاع في سوريا والتي كانت تُعتبر أحد المعابر الرئيسية لدعمه العسكري. فمع اغلاق الطرق وفرض الرقابة على الأنشطة في مطار رفيق الحريري الدولي، أضحت إيران عاجزة عن إرسال شحنات مالية أو أسلحة إلى “الحزب”، ما دفعه إلى اتخاذ خطوات تقشفية حادة، إضافة إلى ان هناك قرار إيراني من قبل الرئيس مسعود بزشكيان بإيقاف الأموال والميزانيات التي كانت تذهب إلى الميليشيات وتحديد نفقاتها لتسيير شؤونها الحزبية فقط.
المصادر ذاتها تضيف عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني: “في خطوة لخفض النفقات، قام “الحزب” بتطبيق سياسة تقشفية تتجسد في تقليص عدد مقاتليه وانتشارهم على الأرض، حيث صدرت أوامر بإخلاء العديد من المواقع العسكرية في جنوب لبنان، بما في ذلك المواقع الواقعة شمال الليطاني. تأتي هذه القرارات في سياق الحفاظ على الموارد المحدودة والحد من التكاليف المرتبطة بنقل الأسلحة والجنود. كما يتم التركيز على الحفاظ على بعض العناصر فقط لضمان استمرارية الحزب في المرحلة الحالية، وفي وقت يواجه فيه أزمة مالية خانقة”.
تؤكد المصادر على أن هذه الخطوات تبدو بمثابة مؤشر على التحولات الكبرى في سياستهم العسكرية والمالية، وعلينا أن ننتظر لنرى كيف ستؤثر هذه الإجراءات على مكانة “الحزب” في لبنان والمنطقة، ومدى قدرته على الحفاظ على نفوذه في ظل هذا التراجع في الدعم الإيراني المباشر.