.jpg)
من الطبيعي أن تنشغل الحكومة بملفات أساسية، خصوصا بعد مرحلة هدم فيها أركانها المعروفون كل أمل بالقيامة، استقواء، وفسادا، وتلويثا لسمعة الوطن، وزجا به في حروب عبثية ترميه في زمن الانحطاط والجاهلية… واستنادا، يجدر التذكير بمشروع حيوي يعيد البلاد الى قوامها الصحيح، وهو تبني الحياد تحصينا للبنان من تدخلات واعتداءات، وحماية للكيان، وتحقيقا لمستقبل الأجيال.
مقدمة : لقد تم التقدم، سابقا، باقتراح تاريخي الى اللبنانيين عموما، متضمنا بندا أساسيا، على مستوى الإستراتيجية الوطنية، وهو طرح الحياد كحل موزون، ومتاح، للأزمة التي أتت على أخضرنا واليابس، وقد أردف بدعوة الى عقد مؤتمر إنقاذي دولي برعاية الأمم المتحدة، لتحصين البلاد بنأيها عن النزاعات والمحاور. ونذكر، وقتها، أن البعض سارع الى ردة فعل انفعالية غير مبررة، تجاه هذا الطرح، ويعاود هذا البعض، اليوم، تكرار رفضه لمبدأ يصون الوطن، وينتقل به الى واحة السلام الدائم.
الإشكالية : ما هي الأسباب والخلفيات التي دفعت الى موقف متطرف ومتوتر، يرفض مبدأ الحياد، ومن دون تقديم بديل يمكن اعتماده حلا للأزمة المتراكمة ؟؟؟
إطار البحث : إنطلاقا من مفهوم الحياد الذي يعطي أي دولة الحق في النأي بنفسها عن الصراعات الدائرة، وفي عدم الانحياز لأي من المحاور، يمكن أن نفهم، تماما، ما تتضمنه الدعوة الى اعتماد الحياد، من بعد نظر وطني، ومستقبلي. والغريب أن المنفعلين، بالأمس واليوم، لم يصدر عنهم إلا اعتبارهم أن الذين طرحوا مسألة الحياد، كحل موثوق ومتوفر، قد تعاطوا مع موضوع مرفوض وذي حساسية مفرطة، ما يمكن أن يزج بالبلاد في مشكلة انقسم حولها اللبنانيون… لكن الرافضين لم ينعطفوا عن روتينية المواقف والتصريحات المكررة والممجوجة، ليقدموا بديلا يقبل به أكثر الداخل، وأغلبية الخارج.
لا شك في أن الوضع الراهن، قد تمادت نتائجه الكارثية، وعلى مدى خارطة البلاد كلها: خوفا، وجوعا، وفقرا، وبطالة، وهجرة، وإفلاسا، وزجا في أتون حرب لا شأن للبنان بها…إن هذا الواقع البائس يشكل، حتى الساعة، ثابتا لا يمكن تجاهله، وبالتالي، يدفع، موضوعيا ووطنيا، وضنا بسلامة البلد وأهله، الى إيجاد مخرج آمن، ومأمول، يساهم في إجهاض أحداث غير محسوبة العواقب، يمكنها أن تؤدي الى انهيار الوطن، دولة وكيانا وحضورا. من هنا، واستنادا الى الحياد الذي تبنته دول كثيرة ما ساهم في استقرارها، ورغد عيش مواطنيها، والدفع الى نموها، كان لا بد من العدوى المفيدة، والسير في ركاب هذه الدول، واعتماد الحياد حلا مجربا، نتائجه الإيجابية موثوقة. كذلك، ورغبة في تمتين مشروع الحياد، للإفادة من كل مفاعيله، كان لا بد، أيضا، من دعوة الأمم المتحدة الى عقد مؤتمر خاص بلبنان، لحمايته، وتأكيد حياده، ما يؤمن انتشاله، نهائيا، من جهنم التي زجه بها بعض أهل السلطة، والمستقوون الذين تستروا بالهوية اللبنانية، ومحضوا ولاءهم، كليا، لسواها.
نحن نعلم بأن القضية لا تزال شائكة، لكننا مؤمنون بأن الحياد، وحده، يضع حدا لنحر سيادة الوطن، ولانهيار مؤسساته، وأن المؤتمر الأممي يسحب صكوك دحرجة البلاد الى هوة لا يمكنه الخروج من قعرها. ونحن على يقين بأن الحياد والمؤتمر الدولي، وحدهما، يوقفان مصادرة لبنان، تحت مسميات مشبوهة، وذرائع ملتوية. من هنا، فإن قراءة الوقائع، بمسؤولية واعية، وبحس وطني التوجه، يمكن أن تشكل المسار الوحيد الذي يمكنه إخراج الوطن من دائرة النار، ومن جداول القتل، وذلك بتبني سياسة الحياد نظاما قانونيا يحمي الاستقلال الوطني، ويبعد البلاد عن الانزلاق الى صراعات المحاور المسلحة، وبالتالي، يجعل الوطن واحة سلام منيعة.
أما ما انفلش، وينفلش، من مواقف انفعالية رعناء، رفضا لطرح الحياد، وتاليا، للمؤتمر الأممي، فيعود، بدون أدنى شك، الى نية الرافضين المشبوهين، الإستمرار في الزج بلبنان في محور الموت، وما يستتبع ذلك من حروب قاتلة، عبثية، لا ناقة له بها، وقد أدت، وستؤدي، حتما، الى تدمير للوطن، بما فيه، ومن فيه. أما إسراع المنفعلين الى اتهام المنادين بالحياد بأنهم يتخلون عن السيادة، ويجب رشقهم بتهمة العمالة والخيانة، فمسألة بروتوتيبية ممقوتة، تنطق أبواقها بخطاب واحد، وفي وقت واحد، وبما يملى عليها بالتحديد، وقد أصبح هذا الإتهام تقليدا يلجأ إليه جماعة أهل الكهف، والذين سقطت الحجة من أيديهم، وهم يعلمون بعدم جدوى التهمة الباطلة مع من كانت الجرأة الوطنية، في جبلتهم، جمرة بلا انطفاء.
خاتمة : إن الحياد، وحده، هو العلاج الذي يحصن لبنان من اعتداءات إسرائيل، ومن جعله ساحة لتصفية الحسابات العربية والإقليمية، ومن تدخلات مشبوهة تعتدي على كيانيته، وهويته، وشرعية الدولة، وحدها، فيه، ما يدمره، ويفتح له باب جهنم… فهل، هنالك، من له أذنان ؟؟؟