#dfp #adsense

“لبنَنَة” الحزب لا تعني اللبنانيين

حجم الخط

الحزب جنوب لبنان

المصطلح الجديد الذي دخل على الحياة السياسية في العام 2005، وتحديدًا بعد خروج جيش الأسد من لبنان، كان “لبننة الحزب”، وأسبابه الموجبة لدى البعض تمثلّت بالرهان على مسار لبننة سيتّبِعه الحزب بعد خروج الأسد كمعطى استراتيجي ما بعده غير ما قبله، وأنه لا بدّ من منحه الوقت اللازم ليتمكّن من “هضم” التحوّل الكبير وتوسيع “كوعه” للدخول في مشروع الدولة، وهذا ما دفع هذا البعض إلى التمني من عواصم القرار التمييز بين الضغط لإخراج جيش الأسد، وبين ترك مهمة تسليم الحزب سلاحه على عاتق الدولة اللبنانية.

انطلق هذا البعض في مقاربته من أن المشكلة الرئيسية كانت في الاحتلال السوري، وأن زوال هذا الاحتلال سيضع “الحزب” أمام أمر واقع يجعله يضع الماء في كأس نبيذه ويسلِّم بالمعطيات الجديدة ويندمج في الواقع اللبناني، ولم يأخذ هذا البعض في الاعتبار أن السيطرة الأسدية على لبنان كانت جزءًا من تقاسم النفوذ بين طهرن ودمشق، وأن عقيدة الحزب تتجاوز الإطار اللبناني إلى الإقليمي، وأنه يستحيل أن يتأقلم مع الحيّز اللبناني، خصوصًا أن الدور الإيراني توسّع بعد موت الأسد الأب وعلى حسابه وبعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين، كما أن ارتباط الحزب بإيران من طبيعة عضوية ويندرج في سياق المشروع الإقليمي التوسعي لإيران.

وقد لا يكون مفيدا العودة إلى التاريخ إلا للاتعاظ منه وعدم تكراره، لأن ما حصل قد حصل، وباقي القصة معروف مع تمسكن “الحزب” حتى تمكّن، ففقد لبنان المومنتم الدولي ودخل في صراع جديد لم ينتهِ فصولًا سوى مع حرب الإسناد التي أعلنها الحزب بعد يوم واحد على حرب الطوفان وأدّت إلى تدمير بنيته العسكرية وخسارته آلاف المقاتلين والكوادر وفي طليعتهم أمينه العام، واضطراره إلى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار هو كناية عن صك استسلامي وقّع فيه على تفكيك بنيته العسكرية ومنح إسرائيل الحقّ باستهدافه، وجاء سقوط نظام الأسد ليقطع عليه جسر تواصله مع مرجعيته الإيرانية ويطوِّقه جغرافيا بشكل محكم برًا وبحرًا وجوًا.

ولا شك أن التطوّر الأخير يفوق أهمية تطوّر العام 2005 من ثلاث زوايا أساسية:

المجتمع الدولي الذي أخذ على عاتقه مهمة الانتهاء من مشروع “الحزب” العسكري ولم يعد في وارد تركه على همّة اللبنانيين بعد تجربة العام 2006 والتلكؤ عن تنفيذ القرار 1701، خصوصًا في ظل الرؤية لشرق أوسط جديد آمن ومستقر بعيدًا عن إيران وأذرعها المهدِّدة للاستقرار، وربط مساعدة لبنان بوجود دولة تمسك وحدها بالسلاح وقرار الحرب.

الزاوية الثانية سقوط الحزب عسكريًا في الحرب وسقوطه جغرافيًا مع انقطاع شرايينه الإيرانية التي تمدُّه بالسلاح والمال، وانتقال المواجهة من الأذرع إلى إيران نفسها بتخييرها بين التخلّي عن دورها والنووي، وبين سقوط نظامها.

الزاوية الثالثة وصول معظم اللبنانيين إلى قناعة بأن العبور إلى الدولة غير ممكن ما لم يتخلَّ الحزب عن مشروعه المسلّح، وقد فقد فعلًا تحالفاته المؤيدة لمشروعه، وأولى ترجماتها تمثلّت في انتخاب رئيس جمهورية وتكليف رئيس حكومة وتشكيل حكومة لا تأثير للحزب في وصولهم ولا في إنتاج السلطة التنفيذية ولا في بيانها الوزاري الخالي للمرة الأولى من مصطلح مقاومة.

وعلى رغم أن التجربة الممتدة منذ العام 2005 حتى العام 2025 أسقطت فكرة لبننة الحزب، إلا أن هناك دومًا من يتكئ على الخارج ويبحث عن حلول على طريقة “مشايخ الصلح”، مراهنًا على الوقت الكفيل بجعل الحزب يستوعب انتهاء مشروعه المسلّح، ولكن هذا البعض لا يأخذ في الاعتبار الآتي:

أولًا، يستحيل على “الحزب” أن يتخلّى عن سلاحه من تلقاء نفسه كون سلاحه يمثِّل علة وجوده، ويشكل أداته الأساسية لتحقيق مشروعه الذي لا علاقة له بإسرائيل التي يتخذها كحجة لامتلاك السلاح.

ثانيًا، يستحيل على “الحزب” أن يتأقلم مع واقع لبناني في ظل عقيدة تعتبر لبنان مجرّد مساحة جغرافية ضمن مشروع أمة يسعى لتحقيقه.

ثالثًا، يستحيل على “الحزب” أن يسلِّم بهزيمته وانتهاء مشروعه، إنما سيراهن على عامل الوقت الكفيل بتغيير المعطيات الاستراتيجية التي تمكّنه من استعادة دوره المسلّح والتوسعي.

فلا يفيد بشيء التوقُّف أمام أدبيات يحاول أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم إدخالها على قاموس حزبه من قبيل الالتزام باتفاق الطائف، وأن الدولة ستتولّى مهمة التحرير ديبلوماسيًا، لأنه ما زال يتحدّث صراحة عما يُسمّى المقاومة ودورها، ويميِّز بين تسليمه السلاح جنوب الليطاني، وإخضاعه السلاح شمال الليطاني إلى الحوار الذي أثبتت التجربة أنه “حوار طرشان” الهدف منه إبقاء السلاح وشراء الوقت، فيما ما الفائدة أصلا من سلاح، وفقا لمنطقه طبعًا، في الداخل لا على الحدود إذا كان الهدف من هذا السلاح مواجهة إسرائيل، والهدف الأساسي كما هو معروف تحقيق المشروع التوسّعي لإيران، كما أن انتهاء مشروعه الوظيفي الإيراني الحدودي يُنهي مشروعه الإيراني الداخلي تلقائيًا.

ولا يفيد بشيء القول إن “الحزب” في العام 2025 يختلف عن نسخة الحزب في العام 2005 كونه استوعب الضربة التي تلقاها والتحولات الاستراتيجية مع سقوط الأسد، وأنه من الضروري أن تقوم الدولة بعملها بمعزل عنه، وأن الوقت سيجعله يندمج تدريجًا بالواقع اللبناني، وهذا المنطق هو أخطر ما يمكن تصوّره، لأنه عدا عن أن الحزب سيتحوّل إلى قوة تعطيل سياسية لمسار الدولة عند كل منعطف واستحقاق، فإنه سيبقى في حالة انتظاريه للانقلاب على الواقع الجديد على غرار انقلابه على انتفاضة الاستقلال.

ففي حال قرّر “الحزب” الاعتراف بالوقائع الجيوسياسية والاندماج بالواقع اللبناني، فإن هذا الأمر سيكون بمحله، ولكن لا علاقة للدولة بما يقرِّره الحزب على هذا المستوى، إنما من مسؤولية الدولة الأساسية أن تقوم بدورها في بسط سيادتها واحتكارها وحدها للسلاح تطبيقا للدستور والقرارات الدولية واتفاق وقف إطلاق النار بمعزل عن أي شيء آخر.

فأكبر خطأ أو خطيئة تُرتكب بحق لبنان هي الرهان مجددًا على لبننة “الحزب”، فالشعب اللبناني غير معني بلبننته من عدمها، إنما معني فقط وحصرًا بأن تستعيد الدولة قرار الحرب وتحتكر السلاح وتبسط سيادتها على جميع الأراضي اللبنانية ضمن فترة زمنية معلنة وقصيرة، وبالتالي ولوج “الحزب” إلى المرحلة الجديدة أم عدمها ليس هو الأساس، فهذا شأن الحزب وهو الذي يقرِّره ولا يهم اللبنانيين، وأما الدولة فمن شأنها ومسؤوليتها أن تمارس دورها السيادي الذي يشكل المدخل الوحيد لردّ الاعتبار لدورها المغيّب منذ عقود.

 

شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

 

كتب شارل جبّور  في “المسيرة” ـ العدد 1762​

الرهان على احتكار السلاح وبسط السيادة

“لبنَنَة” الحزب لا تعني اللبنانيين

 

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل