
“الجيش هو المولج الدفاع عن لبنان، وعليه مسؤولية الحفاظ عن أمن الوطن وحماية شعبه وصون سيادته ووحدة وسلامة أراضيه”. رئيس الحكومة نواف سلام في 28 شباط من العام 2025 أثناء زيارته الى قرى الجنوب. قد تكون هذه “العبارات” التي تعكس مسار الدولة منذ انتخاب العماد جوزيف عون لرئاسة الجمهورية، والتي أكد عليها خطاب القسم وأيدها وصدّق عليها الرئيس سلام وبيان حكومته، هي ما دأب “الحزب” على استهدافها، وهي أخف وطأة وتأثيرًا وجوديًا من حذافير البنود التي سبق أن وافق عليها في اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني من العام 2024 ومندرجاته وملحقاته من أوراق وضمانات وتعهدات بـ”تقيته” المعهودة، متوثبًا للانقضاض عليها ونكثها متى وجد الظروف مؤاتية…
ها هو “الحزب” الذي تفاخر بانفراده بإطلاق مساندته في 8 تشرين الأول من العام 2023، يحمّل تبعات قراره لمن رفض هذا التورط والتوريط، سياسيًا اقتصاديًا وإعمارًا، علمًا أن “الحزب” وقيادييه كانوا قد بشّروا بيئتهم المنكوبة المكلومة، بأنه “سيعيد قراهم ومنازلهم وبناها التحتية أجمل مما كانت”.
“الحزب” الذي وقع على إنهاء سلاحه وتوقيف تسليحه وتمويله، ها هو يحرّك جمهوره اعتراضًا على تطبيق البند المتعلق بوقف التمويل والتسليح، قطعًا لطريق المطار واعتداء على الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل… ولن يكون توقيف الشاب المهرّب من إيران عبر تركيا، وبالتقسيط للمال النظيف الإيراني للحزب مع مبلغ الـ2,5 مليون دولار، آخر ما يفضح صدقية وشفافية “الحزب” في الوفاء بتعهداته وتواقيعه والتزاماته.
في الإطار نفسه، يتجلى الـparadoxe بين ما قاله أمين عام “الحزب” نعيم قاسم أمام “مشهدية” دفن سلاح “الحزب” مع الأمينين نصرالله وصفي الدين، بإبراز تقيته باعتماده “الدولة مرجعًا والطائف سقفًا ولبنانَ وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه متساويين بالحقوق والواجبات”، مقابل إبراز حقيقة نواياه التي يخفيها بعقيدته الثابتة التي لا تقبل تأويلًا أو تبديلًا بإشهاره: “نحن أبناء خامنئي نحن أبناء الولاية”.
كذلك تجلى هذا الـparadox الفاضح في مضامين خطاب رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد في جلسة الثقة التي أعطاها “الحزب” لبيانها الوزاري الذي تحدث عن “حصرية حمل السلاح للدولة”، مؤكدًا على خطى تقية نعيم قاسم عن “أفقٍ جامع يؤكّد نهائيّة الوطن اللبناني… ومسؤوليّة الدولة عن حماية السيادة الوطنيّة وإنهاء الاحتلال ومفاعيله بشكلٍ نهائي… وإننا جادّون وإيجابيّون في ملاقاة العهد الرئاسي الجديد وحريصون على التعاون إلى أبعد مدى من أجل حفظ سيادة الوطن واستقراره”، ليعود ويمهّد لكشف حقيقة نواياه في التسليح والتمويل مباشرة عبر الطيران الإيراني لا التركي، مطالبًا بـ”وجوب إلغاء قرار إيقاف الرحلات الجويّة ومنع هبوط الطائرات الإيرانيّة وذلك تداركًا لخطأ الانصياع الذي يتعارض مع السيادة الوطنيّة وتلافيًا للضرر وللإساءة لمصلحة جمهورٍ كبيرٍ من اللبنانيين ولعلاقة الصداقة اللبنانية القائمة مع إيران”… ليعكس افتراقًا آخر يعكس حقيقة نوايا “الحزب” مع العهد الجديد، وقد عبّر عن هذا الافتراق فخامة الرئيس في خطاب القسم وانطلاقًا من التعهدات بالقرارات الدولية وخاصة الـ1701 وممارسة لسلطة الدولة على مرافقها وخصوصًا المطار، بإخضاع الطائرات والبعثات والمسافرين والوافدين لتفتيش المؤسسات الرسمية اللبنانية وعلى رأسها الجيش اللبناني، قبل كلام رعد وقبل ضبط محاولة التهريب من تركيا دعا رئيس الجمهورية في 17 شباط من العام 2025 الى تمديد تعليق الرحلات الجوية من وإلى إيران “حتى إشعار آخر”…
الكل يعلم أن “الشغب” الذي قوبلت به الزيارة الى الجنوب اللبناني التي قام بها الرئيس نواف سلام الحائز على ثقة “الحزب”، الذي لم يسمه لرئاسة الحكومة، يقع ضمن سلسلة طويلة من الـparadoxe السياسي والعسكري والإعلامي والإعماري والشعبي، بدأت في الثامن من تشرين الأول ولن تنتهي في الثامن والعشرين من شباط من العام 2025، مع الهجوم المبرمج حزبيًا على الزيارة التي يتعطش الى امثالها الجنوبيون اللبنانيون. فمن مصادرة قرار الحرب من الدولة الى مطالبة هذه الأخيرة بالإعمار والتعويضات، ومن التسبب باستدراج احتلال عشرات القرى الحدودية والفشل في ردع الاحتلال أو حتى طرده من خلال “الحزب” المقاوم، الى تحميل الدولة بعد تحريرها لتلك القرى دبلوماسيًا، احتفاظ إسرائيل بنقاط خمس محصورة، وتشترط لإخلائها قيام “الحزب” بالموجبات التي وافق عليها مرغمًا لا بطلَ، بعد خراب الجنوب اللبناني وتكبيد اللبنانيين جميعًا نتائج هذا الخراب… العلامة الفارقة في زيارة سلام لـ”الجنوب”، هي اعتراض المستقبلين على عدم “شكر المحتفى به لـ”المقاومة”، إذ يتساءل المرء هل أن المعترضين شاكرون للمقاومة عدم مقاومتها، وشاكرون لها عدم ردعها، وشاكرون لها عدم الحماية، وطبعًا هل هم شاكرون لها قصورها وتقصيرها وعجزها عن إعمار ما تهدّم تحت شعارات “نحمي ونبني” و”تحرير الجليل” و”مرتقون على طريق القدس”، لتكون عبارات السيادة التي وردت في الزيارة وقبلها في البيان الوزاري وخطاب القسم مستحقة الشكر، ويكون التشبث بالمسار الذي ثبت فشله من الإسناد وحتى خطاب محمد رعد هو ما يتوجب على الجنوبيين واللبنانيين اعتراضه والاعتراض عليه، لعلّة الاضرار بهم وبقراهم وبوطنهم النهائي لجميع أبنائه المتساوين في الواجبات والحقوق من دون أي تفضيل أو تمييز.
.jpg)