صحيفة النهار- خيرالله خيرالله
لعلّ إعلان عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK) التخلي عن السلاح وحلّ الحزب نفسه، بعد أربعين عاماً من الرهان على الكفاح المسلّح في وجه تركيا، ذروة التصالح مع الواقع. متى تتصالح تنظيمات أخرى، مثل “الحزب” في لبنان و”حركة ح” في غزّة والضفّة والميليشيات المذهبية المنضوية تحت لافتة “الحشد الشعبي” في العراق، مع الواقع أيضاً؟ متى تدرك هذه الميليشيات أنّ أقصى ما يمكن أن تحققه هو الوصول إلى كارثة، على غرار كارثة غزّة وكارثة لبنان الذي عاد قسم من أرضه تحت الاحتلال الإسرائيلي مجدداً؟
يتجاوز الأمر تركيا والدور الذي لعبه أوجلان في السعي إلى الضغط عن طريق السلاح بدل الاستفادة من التجربة التي يمر بها هذا البلد منذ وصل تورغوت أوزال إلى موقع الرئاسة في العام 1989. سعى أوزال في مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى إيجاد صيغة تعايش بين كلّ مقومات المجتمع التركي، بمن في ذلك الأكراد الذين يشكلون نسبة عشرين في المئة من السكان.
راهن أوجلان طويلاً على الكفاح المسلّح. اعتقد أنّ اللعب على الحرب الباردة وعلى سياسة الابتزاز التي أتقنها النظام السوري منذ احتكار حافظ الأسد للسلطة في 1970 ضمانة له. اضطر الأسد الأب إلى التخلي عنه في العام 1999 في ضوء الضغوط التي مارستها تركيا. وقتذاك، أكّدت السلطات التركية لحافظ الأسد، الذي كان نجله بشّار يعد نفسه لخلافته، أن ممارساته مرفوضة. بات أوجلان بعقله المتخلف، الذي أخذه إلى دمشق وإلى البقاع اللبناني، في مرحلة معيّنة، يقبع في سجن تركي منذ ربع قرن. احتاج إلى كلّ هذه السنوات كي يقتنع بأن العالم تغيّر منذ إعلانه انطلاق الكفاح المسلّح في وجه تركيا في العام 1984 غير مكترث بإمكان تحقيق مكاسب للأكراد عن طريق ممارسة اللعبة الديموقراطيّة التي تمارس في تركيا، وإن ضمن حدود معيّنة.
يظلّ أهمّ ما ورد في الرسالة القصيرة التي وجهها أوجلان الملقب بـ”آبو” إلى قيادة حزبه اعترافه بأن العالم تغيّر وأن فكرة حمل السلاح وممارسة الكفاح المسلّح ولّت إلى غير رجعة.كان مفترضاً بالزعيم الكردي، الذي تركت ممارساته آثاراً سلبية على الأكراد في تركيا وسوريا والعراق، إدراك أنّه يسير في الطريق الخطأ منذ خضوع حافظ الأسد للتهديد التركي.
أنكر الأسد الأب طويلاً وجود “آبو” في سوريا أو في لبنان الذي كان وقتذاك تحت سلطته. كان الرد التركي عن طريق معلومات دقيقة عن تحركات أوجلان. شملت تلك المعلومات عنوان الشقة التي كان يقيم فيها في دمشق ورقم الهاتف الذي في الشقة وأسماء الذين اتصل بهم عبر الهاتف أو أولئك الذين اتصلوا به. بقي حافظ الأسد ينكر وجود الزعيم الكردي التركي لديه إلى أن تلقى رسالة تهديد بأن الجيش التركي سيدخل من حلب ويخرج من الجولان!كان ذلك التهديد كافياً كي يستوعب الرئيس السوري الراحل أن لا خيار أمامه غير تسليم “آبو” في حال كان يريد إنقاذ نظامه وتسليمه إلى نجله.
احتاج “آبو” إلى ربع قرن كي يتخلى عن أوهامه ويقول وداعاً للسلاح. هل يعود ذلك إلى أنّه لزمه كل هذا الوقت لينضج فكرياً ويقتنع بأن السلاح في أساس كلّ المصائب… وأن الاعتماد على السلاح يقضي على أي أفق سياسي في ما يخص القضية الكردية التي هي قضيّة محقّة؟ يظلّ سؤال أخير… إنه سؤال يفرض نفسه في عالم قال وداعاً للسلاح، سلاح الميليشيات المذهبية والطائفية والتعصب القومي… هل يتعلّم “الحزب” في لبنان شيئاً من تجربة حزب العمال الكردستاني، كذلك “حركة ح” في الضفة وغزّة وميليشيات “الحشد الشعبي” في العراق؟