ما أكثر المحللين الذين انساقوا، فيما مضى، وراء مقاربات تعوّل على شخصية وأسلوب وخطاب السيد حسن نصر الله، اذ جرى تقديمه من قبلهم على انه يمثًّل موقعاً متميزاً داخل تركيبة "حزب الله". اعتبروا ان الكاريزما التي يجسّدها، والمقدرة الخطابية والسجالية التي يمتلكها، ستصنع له موقعاً مختلفاً عن "الإداريين أولاً" و"الإيديولوجيين أولاً" و"الأمنيين أولاً" داخل حزبه. اعتقدوا ان ذلك يمكنه ان يؤسس للبننة "حزب الله"، أو أقلّه لمعادلة من قبيل لبننته في مقابل تفعيل الدور الشيعي في صناعة هذا اللبنان الجديد، المنبثق بعد انتهاء الحرب الاهلية، وبعد تحرير الجنوب.
ولما كان تحرير الجنوب حاصلاً في ايام رئاسة السيد محمد خاتمي لإيران، وجد من اعتقد أن نصر الله كقائد تحرري وطني ديني في مجتمع تعددي، إسلامي مسيحي وسني شيعي، هو الأقدر على التكامل مع الظاهرة الخاتمية. من ينسى حفل الاستقبال الجماهيري الضخم، الذي أعدّه الحزب للسيد خاتمي آنذاك؟ كان هذا قبل أن يحلّ علينا محمود أحمدي نجاد، ضيفاً تقسيمياً انقلابياً ثقيل الدم.
الا ان مسار الامور جاء ليقلب هذه المقاربات الى نقيضها. فقد تدهور حال الخطاب "النصر الإلهي"، نسبة الى حسن نصر الله، لا سيما في مرحلته "النصر الإلهية"، نسبة الى تلك المقاربة التصنيفية للبنانيين بعد حرب تموز، بين "اشرف الناس" الذين تشرفوا بنصر عسكري، إلهي المصدر، وبين "الأغيار" الذين يخوّنهم "حزب الله" على مدار الساعة، انما على نحو يزيد وينقص. بيد ان التخوين تبسيط هنا، والأكثر تعقيداً منه هو "علّة التخوين". فإذا تناولنا خطب نصر الله منذ آب الى اليوم، لوجدنا انه حيناً يخوّن الآخرين بحجة ان حزبه كان يهديهم نصراً، وهم يُعرضون، وحيناً آخر يخوّنهم بحجة ان لا وزن لديهم، وله ولحزبه كل الوزن، والمعركة جارية بينه وبين اسرائيل. اما الآخرون في لبنان فلا حق لهم في المشاركة الفعلية، الميدانية، في هذه المعركة، ولا حق لهم في تقرير مسارها العام، وكل ما هو مطلوب منهم هو التهريج على شاشات الممانعة، وان لم يستجيبوا لذلك فهم عملاء لإسرائيل، في حين ان عميلها المباشر، وهو من كبار الخائضين في هذا الحقل، تخفّض له الأحكام، بطلب من "المقاومة". هي تجيز لنفسها ذلك بحجة الاعتبارات العليا للمعركة، وهو يكتسب بذلك صفة "العميل المقاوم".
والطريقة التي عالج بها "حزب الله" قضية فايز كرم، هي نفسها الطريقة التي حسبها نصر الله مؤخراً فصيحة، ومؤثرة، ومفحمة للرد على "استغلال" اخصامه السياسيين لمجزرة ثكنة فتح الله. هو اعتبر ان تنازل حزبه عن حقه في هذا الاطار، وسكوته عن الضيم، حجة له لا عليه. ذلك ان الهدف الاعلى، تدمير اسرائيل، يطغى ويهوّن ظلم ذوي القربى.
وهذا باطل ومردود. أولاً لأنه، لولا بطولات الثوار السوريين، بتظاهراتهم المتواصلة منذ سنة، رغم القمع الدموي الوحشي، وببطولات "الجيش السوري الحر"، لما تجّرأ اساساَ السيد حسن نصرالله على أن يفتح موضوع ثكنة فتح الله بالشكل الذي فتحه. انها اذاً مأثرة تحسب لبطولات اهل حمص، وليس له. وحدها الثورة السورية اذاً أعادت لشهداء "حزب الله" على يد ضباط سوريين اعتبارهم.
وثانياً، هذا باطل ومردود لأنه وبدلاً من عرفان الجميل للثورة السورية التي وسعت للسيد نصرالله، هامش البوح، فقد حدث العكس. وما عاد السيد يسمع او يرى عذابات السوريين. بل يطالب بالعكس. هو يجعل من سكوت قوى آذار على جرائم النظام البعثي شرطاً لازماً لإيقاف الفتنة المذهبية، وذلك رداً على المنطق الايجابي للرئيس سعد الحريري، في الانطلاق من اولوية عدم حصول الفتنة من الأساس، لتنظيم التعاطي الداخلي في هذا الاطار. في الوقت نفسه، يستغرب السيد كيف ان الذين يطالبون بإنقاذ الشعب السوري لهم موقف آخر في البحرين، وهو جزئياً محق. لكنه ينسى ان العلاقة بين الجارين، سوريا ولبنان، لا يمكن ان تكون كالعلاقة بين لبنان والبحرين، وان من يقول عكس ذلك، يكون موقفه صادراً عن دافع مذهبي صرف، وهذا ليس عيباً في ذاته، إنما العيب هو في إرفاق هذا الموقف المذهبي التحريضي ضد النظام في البحرين، مع موقف تحريضي لمصلحة النظام في سوريا، وبالقفز على كل الابعاد الكمية والنوعية، المتصلة بحجم البلد، وحجم الدم المراق، ناهيك عن انتفاء وجود اكثرية مذهبية كاسحة في حال البحرين، بما يتعارض مع الواقع السياسي السوري، حيث الحكم بيد عصبية فئوية. والسيد نصر الله هو آخر من يستطيع نفي ذلك، لأنه بمجرد مناصرته للنظام البعثي انما يؤكد هذه الطبيعة الفئوية.
لأجل ذلك، من الطبيعي ان تنقلب معادلة الامس نقيضها اليوم: نصر الله لم يعد عامل "وصل"، بل عامل "فصل" بين "حزب الله" وبين اللبنانيين الآخرين، وبين اللبنانيين والعرب الآخرين.