#adsense

التجاوب والثقة بين الحكام والشعب

حجم الخط

إنّ نائبًا ينتمي إلى حزب عقائديّ جماهيريّ منظّم لَنائبٌ يعكس، فعلاً لا قولاً ناخبيه، على الأقل. والسبب أن النائب المذكور والمقترعين له، من أعضاء حزبه ومن هذا الحزب، يعتنقون العقيدة نفسها، ويتبنّون البرامج عينها. وهذا النائب ما خاض الانتخابية إلّا استنادًا إلى هذه العقيدة والبرامج.

وتقيُّد النائب الحزبيّ بمقرّرات هيئة القيادة في حزبه، يعزّز صحة تمثيله ويقوّيه. إنّ تلك المقرّرات المستوحاة من عقيدة الحزب ومناهجه إنما تكون، أيضًا، معبّرة عن رأي المحازبين وجماهير المؤيّدين. فيلتقي النائب وناخبوه، إذ ذاك، عند المنعطفات نفسها. ولبيار الجميل في موضوع تمثيل النائب الحزبيّ قول عميق المعنى يقول فيه: “إن نائبّا في المجلس يؤيّده حزب هو غير النائب الأعزل من التأييد الحزبيّ بمعناه الصحيح. ذاك جماعة، وهذا فرد بدون جماعة”.

وإذا تمرّد النائب الحزبيّ على مقرّرات حزبه يفصله حزبه من عضويته. وفصله يعني تجريده من القوى الجماهيريّة التي أوصلته إلى النيابة. وفصله يعني، أيضًا، أنه لم يعد ينطق إلّا باسمه الشخصي. وهذا ما جرى للمرحوم الأستاذ ألبر الحاج.

لكنّ إجراءً مماثلاً لم يكن ممكنًا مع السيد إبراهيم حيدر، مثلاً.

أما على صعيد الحكومة فواقع الوزير الحزبيّ كواقع النائب الحزبي، من حيث تقيّد الوزير بعقيدة حزبه وبرامجه ومقرّراته، ومن حيث تعبيره عن آمال من وثقوا به ورفعوه.

وهكذا، حيث يقوم تمثيل برلماني على أساس حزبيّ صحيح، لا يعود لتلك الهوّة النفسية المرعبة من وجود. وحدة العقيدة ووحدة التوجيه تجعلان النائب والوزير الحزبيَّين يعبّران عن تطلّعات المواطن الذي أوصلهما إلى النيابة والوزارة.

إذًا التجاوب والثقة يتحققان بواسطة التمثيل الحزبيّ تحقيقاً يسمح للشراكة في العمل بأن تتم بين المسؤول والمواطن.

وعلى الرغم من أن حسنات الحياة الحزبية العقائدية الجماهيرية المنظمة لم تعد تخفى على اللبنانيين، فإن كثيرين من هؤلاء يُصرّون على البقاء بعيدين من الانضواء الحزبيّ. ومن أسباب هذا الابتعاد أن هؤلاء المواطنين يعتقدون أن من انخرط في حزب تنازل عن حريته.

هذا الاعتقاد الشائع خطأ يجب تبديده بواقع حيّ. إن المحازب لا يتنازل عن حريته. فقد انتسب إلى الحزب بملء حريته. ومن جهة أخرى، إنّ المحازب، أيًا كان، لا يكتفي بأن يتلقى الأوامر وينفذها تنفيذاً أعمى، وكأنه إنسان آلي. المحازب يشترك في تقرير سياسة الحزب وفي تحديد مواقفه. يناقش، يعارض. يلجأ إلى كل وسيلة شرعية في سبيل أن ينصر رأيًا أو يؤيد قضية.

فهل يُعدّ ذلك تنازلاً عن الحرية؟ إنّ المحازب يتنازل عن أنانيته. عن فرديته، عن فوضويته. لا عن حريته. وتنازله هذا يفرضه العمل الحزبي الذي يتطلّب، كأي عمل جماعي آخر، تنسيقًا وتنظيمًا.

في الحزب يحيا أحدنا حريته، يمارسها، يرى لها قيمة ووزناً، إذ يشعر أن حريته قيمة فاعلة. وفي الواقع، إنّ الحرية في الحياة الحزبية لا تبقى مجرّد طاقة. تصبح طاقة فاعلة مثمرة.

وبالمناسبة، لي بعد ملاحظتان:

الأولى، إنّ المحارب يحافظ على حريته إذا انتسب إلى حزب ديمقراطي، عقيدة وممارسة، لا إلى حزب توتاليتاري. والتفريق، بين هذين النوعين من الأحزاب، ضروري لأهميته الكبيرة في مسألة العلاقة بين الحرية والحياة الحزبية.

في الحزب الديمقراطي، يبقى المحارب في مأمن من أن يفقد حريته وكرامته. عقيدة الحزب الديمقراطي عقيدة إنسانية، وتنظيمه تنظيم ديمقراطي.

والملاحظة الثانية تتعلّق بما قد يُفسد على الأحزاب الديمقراطية عملها.

الأحزاب الديمقراطية العقائدية الجماهيرية المنظمة هي من أقوى دعامات الحكم الديمقراطي، ولكنها قد تنقلب إلى أخطر ما يهدد الحكم الديمقراطي والحرية الشخصية.

هناك محازبون يتنازلون بإرادتهم تنازلاً واقعيًا عن حريتهم. “يستقيلون” من الحرية، إذا صح التعبير. يكتفون بالطاعة من غير مناقشة. مثل هؤلاء عالة على الحزب الديمقراطي، وغير مخلصين للحرية. ومثل هؤلاء يفسحون للمسؤولين في الحزب في مجال التسلّط والتفرّد والاستهتار بالمحازبين وبقيَم النضال. فيسيئون إلى الالتزام الحزبي مرتين: مرة بتنازلهم عن حقوق تيسّرها لهم عضويتهم، ومرة بترك المسؤولين القياديين يسيئون الأمانة.

بإمكانك في الحزب الديمقراطي أن تُبقي على حريتك وتنمّيها، وبإمكانك، إن أردت أن تنقلب إلى عبد. وتصحُّ فيك عندئذٍ كلمة رائعة: “ما من عبد كان عبدًا إلا لأنه أراد هو أن يكون عبدًا”.

من كتاب من أجل العدالة في الوطن

 

 

الكلمة موقف، أيًا يكن موقِعُها ووَقعُها. في الفكر، في السياسة،

في الدين، في الثقافة، في المجتمع، في الاقتصاد، في البيئة…

وحتى تصبح هذه “الكلمة” عابِرة في الزمان والمكان، تفتح مجلة “المسيرة” صفحتها “آخر الكلام” لكتَّاب وسياسيين ورجال دين وفكر وفلسفة واقتصاد، ليسطِّروا عليها كلمة… وموقف.

“المسيرة”

كتبت  “المسيرة” ـ العدد 1761​

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل