
لا يمكن مقاربة طرح الرئيس نبيه بري لتعديل قانون الانتخاب بمعزل عن السياق السياسي العام والمتغيرات الإقليمية بعد الحرب الأخيرة، ولا اعتباره مبادرة إصلاحية بحتة، وذلك لسببين جوهريين:
أولًا: التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة
الرئيس بري، أحد ركني الثنائي الشيعي، خاض معارك سياسية طاحنة في سبيل فرض التوقيع الشيعي الثالث عبر وزارة المالية، وحرص دائمًا على الحصول على كامل الحصص الشيعية الوزارية في أي تشكيلة حكومية. وهو نفسه من يُطلق شعارات “إلغاء الطائفية”، بينما جماعاته تملأ الشوارع بهتافات “شيعة شيعة شيعة”، في مشهد يخلو من أي مضمون وطني، بل يكرّس الطائفية التي يدّعي محاربتها. فكيف يُبشّر من غلّب الطائفة على الدولة، بإصلاحٍ عنوانه “إلغاء الطائفية السياسية”؟
ثانيًا: هوية من قدّم الطرح
النائب علي حسن خليل، أحد أبرز أذرع بري، هو شخصية سياسية فاسدة موضوعة تحت العقوبات، ما يُسقط عنه أي مشروعية في الحديث عن إصلاح. فالإصلاح لا يبدأ من شخص مُدان دوليًا بتهم فساد وسوء إدارة المال العام. الطرح في جوهره محاولة لتلميع صورة مشوّهة، واستباقٌ لأي مساءلة مستقبلية بمكاسب سياسية تقي من السقوط.
النوايا الكامنة خلف الطرح:
في جوهر الطرح تكمن ثلاثة أهداف سياسية:
ـ إعادة تشكيل التوازنات السياسية:
من خلال إعادة توزيع الدوائر والتمثيل، بما يتيح للثنائي الشيعي استعادة الأفضلية داخل البرلمان، خاصة بعد نتائج انتخابات العا 2022 التي كسرت بعض الاحتكارات.
ـ الضغط على الخصوم وابتزازهم سياسيًا:
إثارة الملف في هذا التوقيت تهدف إلى إحراج القوى السياسية، ودفعها إلى طاولة التفاوض وفق شروط بري، لا سيّما في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة.
ـ تسجيل موقف شكلي باسم الإصلاح:
في حين أن الإصلاحات الأساسية الواردة في القانون الحالي (البطاقة الممغنطة، الميغاسنتر، الرقابة الفعلية) عُطّلت بالكامل، لا سيما بفعل نفوذ الثنائي، يحاول بري اليوم إعادة تموضعه كلاعب “إصلاحي”، على الرغم من أنه رأس التعطيل.
لكن خلف هذا الغلاف، تختبئ هواجس أعمق:
هل يسعى بري لتعديل قانون الانتخاب كمحاولة لالتقاط مكاسب سياسية قبل خسارة أدواته الأساسية، وعلى رأسها سلاح “الحزب”؟ في ظل الضغوطات الداخلية والخارجية المتصاعدة، يدرك بري أن أي إعمار لن يُبنى من دون إصلاح، ولا إصلاح من دون حصر السلاح بيد الدولة. من هنا، يبدو أن الطرح محاولة أخيرة لانتزاع أوراق دستورية تحفظ نفوذ الطائفة الشيعية لما بعد مرحلة السلاح، وهو ما يفسّر فتحه لهذا الملف في هذا التوقيت.
ماذا لو كان الطرح صادقًا؟
لو كان طرح تعديل قانون الانتخاب يأتي في سياق إصلاحي حقيقي، لبدأ من معالجة الأسباب التي عطّلت التطبيق الكامل للقانون الحالي، لا بتجاوزه نحو قانون جديد. الإصلاح يبدأ من تنفيذ البنود المعطّلة: البطاقة الممغنطة، الميغاسنتر، وتطبيق الرقابة الشفافة على العملية الانتخابية. كما لا يمكن الحديث عن إصلاح من دون حصر السلاح بيد الدولة، وضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين. إن أي طرح لا يمر بهذه المحطات، يبقى في خانة المناورة، لا التغيير البنيوي. لذا، فإن المعيار ليس مضمون الطرح فقط، بل السياق والنيات والإرادة الفعلية للتطبيق.
لعبة الطوائف الكبرى: أوهام بري على الجميع
في هذا السياق، تتجلى براعة بري في توزيع الوهم السياسي على الطوائف:
ـ للسنّة، يلوّح بورقة “الدائرة الواحدة” كمدخل لتمثيل عددي أكبر، مستغلًا غياب القيادة السنية المركزية بعد انسحاب الحريري، ومراهنًا على شعور بالغبن. لكن الطائفة السنيّة لم تكن يومًا عدديّة الطابع، بل التزمت بالتوازنات الوطنية التي أرساها “اتفاق الطائف”، وإيمانها بدولة المواطنة لا التعداد الطائفي. ما يطرحه بري هو فخّ عددي في نظام طائفي هش، يُفضي إلى مزيد من الانقسام لا إلى الشراكة.
ـ للدروز، يرمي طُعم “مجلس الشيوخ”، في ظل مخاوف وليد جنبلاط على المستقبل، وبري يعلم أن المجلس غير قابل للتنفيذ قبل إلغاء الطائفية السياسية، وهو قانون غائب عن التداول أصلًا. ما يقدّمه هو وعد سياسي من دون أدوات تنفيذ، سيترك الدروز لاحقًا في موقع المتفرج على مشهد يُعاد فيه توزيع النفوذ من دونهم.
ـ للمسيحيين، المعارضين الأشرس للثنائي، يُجهّز الضربة الأقسى. فاعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة، مع الصوتين التفضيليين، يُضعف تأثيرهم في دوائرهم، ويمحو ثقلهم التمثيلي. وبري، من خلال هذا الطرح، لا يستهدف فقط أوزانهم، بل يحاول تفجير العلاقة بينهم وبين المسلمين، خصوصًا السنّة، عبر خلق خطاب مزدوج: اتهامهم بالعرقلة، بينما هو من عطّل الإصلاحات سابقًا، من البطاقة الممغنطة إلى الرقابة، فحوّلهم إلى ضحايا يعاملهم كمذنبين.
ردود الفعل المحتملة
في مقابل طرح بري، تتعامل القوى السياسية الأخرى بكثير من الحذر والريبة، وقد بدأت البوادر تتجلّى بإغراق مبادرته بسيلٍ من الطروحات البديلة ووجهات النظر المتباينة، خصوصًا أن هناك عدة مشاريع انتخابية مطروحة على الطاولة، لكن انتقائية بري في التعامل معها، ودعوته إلى دراسة طرحه فقط من دون التطرق إلى الطروحات الأخرى، عززت من ريبة هذه القوى وشكوكها في نواياه الحقيقية.
القوى المسيحية، ترى في الطرح محاولة واضحة لتقليص تأثيرها التمثيلي تحت ستار “الإصلاح”، وهي تتجه لرفضه وعرض طروحات مقابلة، مع تحميل الثنائي الشيعي مسؤولية تعطيل الإصلاحات التي كانت ستُكرّس فعليًا صحة التمثيل.
القوى السنية، على الرغم مما قد يبدو من إغراء في الطرح العددي، إلا أن غياب القيادة الموحّدة، وحرص المرجعيات الدينية والسياسية على الحفاظ على اتفاق الطائف كضمانة وطنية، سيجعلها تتفادى المضي في أي مشروع يُهدّد التوازن الوطني الدقيق.
أما الحزب التقدمي الاشتراكي، فيقرأ ورقة مجلس الشيوخ كفخّ سياسي، ويميل إلى تعطيل الطرح من أساسه، ما لم يكن جزءًا من تسوية شاملة تحفظ دوره التاريخي وتوازنات النظام.
بهذا، يبدو أن ما يقدّمه بري لا يجد تجاوبًا حقيقيًا، بل يعمّق الشكوك حول نواياه، ويفتح الباب أمام استقطاب جديد لا يُنتج قانونًا، بل أزمة إضافية.
سيناريو النهايات
وهكذا، نحن أمام مشهد محسوب بدقة:
بري يوزّع الوهم: للسنّة العدديّة، للدروز مجلس الشيوخ، وللمسيحيين التهميش… ثم يعطّل التنفيذ، بحجة عدم التوافق، فيخرج الجميع خاسرًا، ويخرج هو معتقدًا أنه الرابح الوحيد، وقد عزز موقعه كلاعب لا يمكن تجاوزه.
وإذا انساق الآخرون خلف هذا الطرح المموّه، فسينتهي بهم المطاف إلى طريق مسدود، فيما يكون بري قد حصّن موقعه، وأعاد فرض نفسه، ولو على أنقاض الدولة والعيش المشترك. إنها لعبة البقاء في الزمن الخطأ، باسم إصلاح لا ينوي تطبيقه.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من قانون الانتخاب
الإصلاح لا يبدأ بقانون انتخاب مفخّخ، بل يبدأ بإعادة هيبة الدولة، وضبط السلاح، ومحاربة الفساد، وتنظيم النظام المالي، ووضع رؤية اقتصادية – اجتماعية تعيد الثقة بالمؤسسات. بعدها فقط، يمكن الحديث عن تعديل القوانين بما يخدم الوطن، لا طائفة.
أما من يطرح “إلغاء الطائفية” اليوم، فليبدأ من مناهج التعليم في مدارس “حركة أمل” و”الحزب”، حيث تُزرع الطائفية في عقول الأطفال. بعد جيلٍ كامل من التربية الوطنية، يمكن التفكير بإلغاء الطائفية السياسية. أما اليوم، فإن بري يلهث في الوقت الضائع، قبل أفول نجم سلطته، الذي أصبح ضعيفًا، متآكلًا، وغير قادر على فرض نفسه إلا بالمناورة.
ومع كل ما سبق، يبقى الأمل أن يتحوّل بري من استخدام الحديث عن الإصلاح كمناورة سياسية، إلى مسار وطني فعلي ينطلق من الدولة، ويصب في مصلحة جميع اللبنانيين، لا في حساباته الطائفية والعددية.