#dfp #adsense

صبر الممانعة الاستراتيجي وَِهْم.. صبر سمير جعجع الاستراتيجي حقيقة

حجم الخط

الاستراتيجي

قد يكون محور الممانعة من أكثر المحاور التي ركزّت على الدعاية السياسية باستخدامها الشعارات التي تشدّ بواسطتها عصب بيئتها، وتوجِّه عبرها الرسائل لخصومها، وتعتمد التضخيم طبعًا لقدراتها وإمكاناتها متكئة على إدارتها للصراع على حافة الهاوية، التي تجنّبها المواجهة التي تُسقط شعاراتها في الميدان، وتُظهر زيفَ ادعاءاتها. وما حصل في “طوفان الأقصى” قدّم أوضح صورة ودليل على الدعاية الكاذبة حول القدرات الخارقة بالشطب والإزالة والإلغاء والرعب والردع وإلى آخر معزوفة الشعارات الفارغة من مضمونها الفعلي.

في سياق المصطلحات الضخمة والجذابة والرنَّانة التي تستخدمها الممانعة، كلامها الدائم عن “الصبر الاستراتيجي” الذي تمارسه إيران، وأن هذا الصبر مكّنها من نشر ثورتها الحربية في أربع عواصم عربية، وأن تمدُّدها سيتواصل بالإتِّكاء على “صبرها العظيم” الذي كان يُفترض أن يتوسّع لا أن ينحسِر بالعودة دفعةً واحدة إلى داخل حدودها، ومهددًّا ثورتها في عقر دارها في حال أصرّت على سياسة تصدير الثورة التخريبية في الشرق الأوسط، ما يدل على أن الهدف من هذا التضخيم إيهام بيئتها بقدرات وعظمة ما بعدها عظمة، وردع خصومها من ضربها.

وقد أظهرت الأحداث أن شعار “الصبر الاستراتيجي” الفضفاض لا يختلف عن غيره من الشعارات الدعائية لهذا المحور التي سقطت في الميدان بدءًا من “أوهن من بيت العنكبوت”، وصولاً إلى “إزالة إسرائيل من الوجود”، وما بينهما القدرات الفائقة بالرَّدع والرعب، فيما من يمتلك فعلاً “الصبر الاستراتيجي” بعيدًا من الدعاية الفارغة والشعارات الرنانة هو رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع.

وقد حورب رئيس “القوات” طويلاً بأنه أخطأ في قراءة التحوُّلات، ولم يُحسن قراءة المتغيّرات، وأنه دفع ثمن رهاناته الخاطئة. وكأن الرهان على دولة فعلية سيدة ومستقلة في غير محله، وكأنه كان المطلوب التسليم بحكم الأسد للبنان، وكأن الشطارة في التأقلم مع الأمر الواقع الذي يحرم اللبنانيين من دولة ودستور واستقرار وازدهار، وكأن الهدف في السياسة هو السلطة والكراسي والوجود في العهود كلّها.

ومعلوم أن لبنان الذي دخل مع اتفاق الطائف في ميزان قوى محلي وإقليمي ودولي يفسح في المجال أمام طي صفحة الحرب وقيام دولة فعلية، انتقل مع تأخير التطبيق في ميزان قوى محلي وإقليمي ودولي مختلف تمامًا، فسُلِّم لبنان لحافظ الأسد، وبالتالي تطوّرات عاصفة الصحراء مع اجتياح صدام حسين للكويت كانت أكبر من قدرة لبنان السيادي على الصمود على غرار تطوّرات عاصفة أحداث 11 أيلول 2001 التي كانت أكبر من قدرة بشار الأسد على البقاء في لبنان، وعلى غرار أيضا عاصفة “طوفان الأقصى” التي كانت أكبر من قدرة إيران على الاحتفاظ بأوراقها وفي طليعتها لبنان. لكن “الصبر الاستراتيجي” للدكتور جعجع لم يبدِّل في توجّهاته في هذه العواصف كلها، إنما بقي على مبادئه ومسلّماته ورؤيته للبنان بعيدًا من أي تسليم بأمر واقع أسدي أو خامنئي.

صبر رئيس “القوات” استراتيجيًا بالرهان على مقولته التاريخية بأن للتاريخ اتجاه واحد وواضح للمستقبل مهما حاول البعض تأخير هذا الاتجاه أو إعادته إلى الوراء، إذ إن هناك حتمية تاريخية تتعلّق بالشعوب وتطوّرها وحرياتها لا يمكن تجاوزها، خصوصًا مع الشعوب التي ترفض الاستسلام وتناضل دفاعًا عن وجودها الحرّ والآمن في ظل دولٍ تحترم خصوصياتها وتطلعاتها ودورها في هذا العالم.

فمن صبر استراتيجيًا هو الحكيم الذي عُيِّر بسوء القراءة لأنه لم يسلِّم بقبضة الأسد على لبنان، علمًا بأنه كان يستحيل فعل أي شيء لتفادي هذه القبضة بعد حرب التحرير التي قادت لاتفاق الطائف ومعلومة ظروفها وخلفيّات من أعلنها، وبعد حرب الإلغاء التي ضربت ميزان القوى الداخلي وكانت “القوات” في موقع الدفاع وردّ الفعل ومعلومة أيضًا ظروفها وخلفيات من أعلنها، وبعد حرب الخليج التي ضربت ميزان القوى الإقليمي وسلمّت لبنان للأسد.

فهناك أحداث في التاريخ لا يتوقّع أصحابها طبيعة ردود الفعل على أفعالهم تجاهها على غرار ما قام به بن لادن في 11 أيلول، وما قام به السنوار في 7 تشرين، وبالتالي تكون المحرِّك لدينامية يصعب ضبطها وإيقافها وتضع القوى الأخرى أمام أمر واقع يتراوح بين حدَّين: حدّ التسليم بالواقع الجديد والخضوع له، وحدّ رفضه وتحمُّل تبعات هذا الرفض، وقد اختار الدكتور جعجع المعتقل بإرادته وحريته حفاظاً على الإرث الذي يحمله، والجماعة التي يحمل قضيتها والوطن الذي يدافع عنه، وبالتالي ضحَّى بنفسه مفضِّلاً الأسر على أن يكون شاهد زور.

وقد اتُّهم رئيس “القوات” أنه بعيدٌ كلَّ البعد عن الواقعية السياسية التي تفرض على القوى التسليم بها طالما هناك عدم قدرة على تغييرها وانتظار الظروف التي تسمح بهذا التغيير، ومتناسيًا هذا البعض أن الخيار كان يتراوح بين الخضوع أو الإخضاع، وأنه يستحيل على قائد المقاومة اللبنانية الخضوع إراديًا لمن يريد إخضاع لبنان لشروطه، فيما الإخضاع هو إقرار بمشروع غلبة إقليمي، ورسالة اعتراض وعدم اعتراف، وإرادة لمواجهة هذا الواقع الناتج عن ميزان القوى الخارجي، وما قيمة الحياة أساسًا والنضال إذا كان التكيُّف مع الأمر الواقع هو المطلوب والهدف المنشود؟!

وكما رفض الدكتور جعجع التكيُّف مع الواقع الفلسطيني في الحرب والأسدي في الحرب وبعدها، رفض أيضًا التكيُّف مع سلاح “حزب الله” والتطبيع معه على رغم سيل الاتهامات نفسها بسوء القراءة لواقع جديد في المنطقة تحكمه إيران بمظلة أميركية، فظلّ على رفضه لواقع يستحيل أن يستقيم في ظل حزب يُمسك بقرار الحرب وبمفاصل الدولة ويحوِّل لبنان إلى ساحة ويضرب التعددية والميثاق والدستور ويمنع قيام دولة تحقِّق المساواة والحرية والأمن والطمأنينة.

فمن لديه “الصبر الاستراتيجي” هو الحكيم الذي ظل على موقفه نفسه على مدى خمسة عقود من مواجهة مع محاور إقليمية بدأت مع الثورة الفلسطينية وامتداداتها الخارجية، وتواصلت مع نظام الأسد وأوراقه الإقليمية، واستمرت مع “حزب الله” وعمقه الإيراني، وقد أثبتت الأحداث والوقائع أنه كان على حقّ وصواب، فلم يخضع ولم يتنازل ولم يهادن ولم يبدِّل ولم يستسلم ولم يسلِّم بالأمر الواقع، وفي كل هذه المواجهات كان يمكن أن يسقط شهيدًا وألا يخرج من المعتقل وأن يتحقّق مشروع حرية لبنان بعد أجيال من بعده، وعلى رغم ذلك حافظ على ثباته ولم يأبه ولم يسأل ولم يلتفت إلى الخلف، وقلقه الدائم على قضية استشهد في سبيلها الآلاف، وعلى تاريخ مهما تمّ تزويره سيروي قصة قلَّة رفضت الانصياع لمنطق القوة، وعلى مستقبل لن تفتح صفحته إذا لم ينوجد من يناضل للخروج من ماضي القهر وحاضر الخضوع إلى مستقبل الحرية.

فمن صبر 50 عامًا هو من يملك “الصبر الاستراتيجي”، وقد صبر الدكتور سمير جعجع وحقّق حلمه وحلم الشهداء، إن بإسقاط المحاور الإقليمية التي حولّت لبنان إلى ساحة، أو بانطلاق قطار قيام الدولة الفعلية التي لا سلاح فيها سوى سلاح الدولة. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا انتصر “الصبر الاستراتيجي” لـ”القوات اللبنانية” على “الصبر الاستراتيجي” للممانعة؟ والسبب بسيط لأن صبر “القوات” يحاكي الإنسان والحياة والمستقبل والحرية (…).

كتب شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1763

إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل