
في موقف يعكس وضوحًا في الشكل وتناقضًا في الجوهر، أعلن رئيس الجمهورية أن لا حاجة إلى لجان حوار بين لبنان والعدو الإسرائيلي، باستثناء ما يتعلق بترسيم الحدود، معتبرًا أن ما تبقى من ملفات، محسوم بموجب القرارات الدولية واتفاق وقف إطلاق النار. إلا أن هذا الطرح، على الرغم من صلابته الظاهرة، يكشف عن مفارقة فكرية وسياسية جوهرية في مقاربة مفهوم السيادة، ويعيد طرح سؤال بنيوي: هل السيادة في لبنان تُمارس عند الحدود فقط، أم أنها تُبنى من الداخل أولًا؟
إن الرهان على الشرعية الدولية حين تكون المواجهة مع العدو الإسرائيلي، يقابله، للأسف، إنكار أو تجاهل ممنهج لتلك الشرعية ذاتها حين تتناول مسألة السلاح غير الشرعي داخل الدولة. فالسلاح الخارج عن مؤسسات الدولة، سواء كان بيد “الحزب” أو في المخيمات الفلسطينية، لا يقع خارج نطاق تلك القرارات، بل يشكّل جوهرهًا، لا سيما في القرارات 1559 و1680 و1701، التي شكّلت الإطار المرجعي لالتزامات الدولة اللبنانية في المحافل الدولية.
المفارقة هنا ليست قانونية، بل وجودية. فالدولة التي تُظهر حزمًا في مواجهة الخارج، وتُمارس تواطؤًا صامتًا في الداخل عبر طرح الحوار حول استراتيجية دفاعية بوجود السلاح، وبذلك تعيد إنتاج معادلة السيادة الناقصة، وتفرغ مفهوم الدولة من مضمونه السيادي، لصالح تسويات ظرفية فرضها ميزان القوى لا الميثاق الوطني.
إن الدولة التي تُعلن التزامها بمنظومة الشرعية الدولية في مفاوضاتها مع عدو لم يُخف يومًا عداءه ولا نواياه التوسعية تجاه لبنان، بينما تُحجم عن تطبيق المرجعيات الدولية نفسها على السلاح غير الشرعي في الداخل، إنما تُقوّض بنفسها أسس شرعيتها. فاستمرار وجود هذا السلاح يُفرغ مؤسسات الدولة من وظيفتها السيادية، ويُنهي عمليًا مبدأ احتكار العنف المشروع، الذي يُشكّل، كما أكّد عالم الاجتماع والفيلسوف السياسي الألماني ماكس فيبر، الركيزة التأسيسية لوجود الدولة الحديثة وشرعيتها القانونية والمؤسساتية.
سلاح “الحزب” لم يعد يُمكن تبريره تحت شعار “المقاومة”، بعدما تجاوز هذا الدور إلى موقع الهيمنة السياسية والعسكرية، وصار يشكّل فائض قوة يُستخدم لضبط الإيقاع الوطني، وإعادة صياغة السياسات العامة بما يتلاءم مع أجندة إقليمية تتعامل مع لبنان كوحدة جغرافية تابعة ضمن مشروع أوسع.
حين يقول الرئيس إن الملفات محسومة دوليًا ولا تحتاج إلى نقاش، فإن أول جهة معنيّة بتنفيذ هذا الحسم هي “الحزب”، الذي وافق نظريًا على تلك القرارات، لكنه لم يُترجم هذا الالتزام إلى أي سلوك فعلي. فهل يُعقل أن نُحمّل العدو مسؤولية احترام قرارات دولية، بينما نُبقي على سلاح داخلي يخرق هذه القرارات تحت مسميات لم تعد تنتمي إلى الواقع، بل تُستخدم لتبرير استمرار مشروع سلطوي موازٍ للدولة؟
الأخطر من كل ما سبق، أن تتحوّل السيادة في الخطاب الرسمي إلى مفهوم ظرفي، يُستخدم حين يُناسب السلطة ويُهمّش حين يهدد توازناتها. وهو ما يُنتج سلطة سياسية لا تستند إلى شرعية موحّدة، بل إلى ازدواجية قاتلة بين السيادة كشعار للحوار والسيادة كواقع. وفي مثل هذا النموذج، تتحوّل الدولة إلى مجرّد إدارة مؤقتة لمجال جغرافي، لا كيانًا سياسيًا يتمتع بمركز قرار مستقل.
إن استمرار الرهان على الحوار، في ظل غياب أي إرادة لتطبيق القانون، ليس سوى إعادة إنتاج لواقع الدويلة ضمن الدولة، وترسيخ لانقسام عمودي يعطّل أي مشروع لبناء كيان وطني فعلي. وإذا كانت هناك نية حقيقية في ترميم الدولة، فإن البداية لا تكون من حدود مرسومة على الورق، بل من مركز القرار الداخلي، حيث تُصاغ السياسات وتُحتكر السيادة.
الدولة لا تُقاس بخطاباتها، بل بقدرتها على ترجمة الشرعية إلى فعل سيادي شامل. السيادة كلّ لا يتجزأ، والدولة التي تُعاني من عطب سيادي داخلي، لا يمكنها الادعاء بامتلاك حدود، لأنها ببساطة لم تعد تمتلك نفسها.