.jpg)



الحرق مع استعادة الطاقة هو أحد تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة مثل التغويز والتحلّل الحراري والهضم اللاهوائي. وهو ما يولّد مخاوف في العديد من البلدان من جانب الخبراء والمجتمعات المحلية بشأن التأثير البيئي لمحارق النفايات. وفيما بدأ العالم يتجه بعيدًا عن الحرق ويتبنّى مبدأ “صفر نفايات”. تُسوّق محارق النفايات على أنها “حلول تكنولوجية متطورة” أثبتت نجاحها في الدول المتقدمة. وهذا ما طرحته وزيرة البيئة تمارا الزين كحلّ للنفايات وتوليد الطاقة معًا في لبنان، معتبرة أنه حلّ مناسب وعملي. لكن الطرح لاقى العديد من التعليقات الرافضة من المختصين، باعتبار أن التطوّرات اليوم تكشف أن العالم بدأ يستيقظ ويدرك عيوب حرق النفايات وآثاره الصحّية الضارّة. فالدول المتقدمة التي اعتمدت سابقًا على المحارق، بدأت تتخلّى عنها مبيّنة أثرها البيئي وعدم جدواها الاقتصادية.
ليس خافيًّا أن حرق النفايات تولِّد عددًا من المخرجات مثل الرماد وانبعاث غازات المداخن إلى الغلاف الجوي أو المياه الجوفية. وهذه المخرجات قد تحتوي، قبل تركيب نظام تنظيف غازات المداخن، على جسيمات ومعادن ثقيلة وديوكسينات وفورانات وثاني أكسيد الكبريت وحمض الهيدروكلوريك. وإذا كانت محطات الحرق لا تحتوي على تنظيف كافٍ وعلمي لغازات المداخن، فقد تضيف هذه المخرجات عنصرَ تلوثٍ كبيرًا إلى انبعاثات المداخن.
ثمّة عوامل أخرى عديدة تدفع خبراء البيئة أو الاقتصاديين أو الإدارات الحكومية المعنية، إلى الابتعاد عن وسائل الحرق، عند البحث عن الطريقة الفضلى لمعالجة النفايات. فمحارق النفايات التي يتم الترويج لها باعتبارها حلًا لأزمة النفايات الناجمة عن الإفراط في الإنتاج والاستهلاك، تُعَد بمثابة ردع لتمويل الاستراتيجيات التي تقدِّم حلولًا حقيقية. كما تُعَد واحدة من أكثر الصناعات سمّية وتكلفة وتلويثًا للمناخ. فعند عملية الحرق، تنبعث من محارق النفايات 68 في المئة أكثر من الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي لكل وحدة طاقة، مقارنة بمحطات الفحم. وعلى الرغم من كونها مساهمًا رئيسيًا في تغيّر المناخ، فإن صناعة محارق النفايات تظل قائمة بالاعتماد على ائتمانات الطاقة المتجددة، والإعانات المكلفة، والتكاليف الخارجية.
العالم يتبدّل
في أوروبا مثلًا، يتزايد الجدل حول حرق النفايات. لسنوات، دأبت الدول الأوروبية على بناء محارق لتحويل النفايات إلى طاقة، مدّعيةً أن التكنولوجيا الجديدة قلّلت من التلوّث وعززت إنتاج الطاقة. لكن مع تزايد القلق بشأن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من هذه المحطات، يسحب الاتحاد الأوروبي دعمه لهذه المرافق. فلعقود، كانت أوروبا تعمل على سكب ملايين الأطنان من نفاياتها في محارق النفايات سنويًا، وغالبًا تحت شعار “تحويل النفايات إلى طاقة” ذي الطابع البيئي. أما الآن، فتدفع المخاوف بشأن البصمة الكربونية الهائلة للحرق ومخاوف من أنه قد يُقوّض إعادة التدوير، مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى تخفيف تبنّيهم الراسخ لتقنية بدت في السابق وسيلةً جذابةً للتخلّص من النفايات.
تستهلك المحارق مؤخرًا في أوروبا 27 في المئة من نفايات الاتحاد البلدية. وحتى من دون دعم مالي من الاتحاد الأوروبي، يجري العمل على إنشاء محطات جديدة، والعديد منها في دول جنوب وشرق القارة التي دأبت على حرق كميات أقل من النفايات المُستخدمة في تحويل النفايات إلى طاقة منذ فترة طويلة، مثل ألمانيا وهولندا والدول الاسكندنافية. في غضون ذلك، وعلى الجانب الآخر، تمضي بريطانيا قدمًا في طرح مقترحات لعشرات المشاريع الجديدة لحرق النفايات. وهي تحرق ما يقرب من نصف نفاياتها، أي أكثر مما تُعيد تدويره. يُضاف إلى ذلك أن التقرير الذي أعدته شركة الاستشارات “إينوميا” لصالح مجموعة “كلاينت إيرث” المناصرة للبيئة، خلص إلى أن توليد الطاقة من محارق النفايات البريطانية كان أكثر كثافة في الكربون من الكهرباء المولَّدة من الغاز الطبيعي، ويأتي في المرتبة الثانية بعد الفحم.
في أوروبا الوسطى والشرقية، هناك ضغط قوي للغاية وسوق مربحة لمحارق نفايات جديدة. فبولندا لديها حوالى تسع محارق نفايات الآن، بالإضافة إلى عدد مماثل من مصانع الإسمنت التي تستخدم النفايات المعالجة كوقود. وهناك حوالى 70 مشروعًا جديدًا تسعى للحصول على الموافقة، بما في ذلك مقترحات لتحويل محطات الفحم القديمة إلى حرق القمامة بدلًا من ذلك. ومع ذلك، هناك تلميحات إلى أن بعض ما هو مطروح على طاولة التخطيط قد لا يتحقق.
من بين المحارق الأكثر رواجًا، منشآت “تحويل النفايات إلى طاقة”. فهي لا تدّعي فقط “الحرق الكامل” للنفايات، بل أيضًا إنتاج الطاقة أثناء الحرق. إلا أن الدراسات أظهرت أن هذه الفرضية تفتقر إلى أساس علمي. فعملية الحرق تُحوّل النفايات إلى أشكال أخرى من النفايات، مثل الرماد السام وتلويث الهواء والماء، والتي يصعب احتواؤها، وعادةً ما تكون أكثر سمية من النفايات الأصلية. كما أن هذا المصطلح مُضلّل، فالنفايات وقود غير فعال للغاية، وهذه المنشآت بالكاد قادرة على توليد حتى كمية ضئيلة من الكهرباء.
أبي راشد يوضح
يشدد الخبير البيئي بول أبي راشد بداية على مسألة الموضوعية في تناول شأن علمي كمسألة النفايات، على الرغم من الصدمة التي ولّدها موقف وزير معني في بداية انطلاق الحكومة في القول إن لبنان يلزمه محرقة واحدة. ويشير في حديث لـ”المسيرة” إلى أنه في ما خص المحارق عمومًا كحل لمعضلة النفايات، ومع ما يتداوله اللبنانيون على وسائل التواصل من فيلم في إندونيسيا يُظهِر تحوّل النفايات إلى طاقة في شكل مُبهِر، بأنه أمر غير دقيق. فالنفايات يصغر حجمها لكنها تتحوّل إلى رماد. وهذا ليس رماد قش ليكون غير ضار، إنما رماد مواد مثل البلاستيك وغيرها، وبالتالي فهو مضرّ عدا عمّا يولّده من انبعاثات سامّة، إلى جانب الكلفة والصيانة والفلاتر”.
ولتفصيل ذلك، مثلًا طرحت الوزيرة تمارا الزين إنشاء محرقة واحدة لحرق مليونين و500 ألف طن من النفايات في السنة هي مجمل نفايات لبنان. وإذا قسمنا هذا الرقم على 365 يومًا، يكون الجواب حوالى 6700 طن نفايات تقريبًا في اليوم. أي أننا سنحرق مجمل النفايات الصلبة، فهل هذا الأمر منطقيًّا؟ فلحرق النفايات العضوية علينا أن نترك ضمنها البلاستيك والكرتون وطبعًا التنك والزجاج وسواها. وبالتالي فنحن نقضي على النفايات التي يمكن إعادة تدويرها والاستفادة منها.
النقطة الثانية، هل يجوز أن يكون هناك موقع واحد ونقطة واحدة، كما في دبي؟ فهل هو منطقي أن ننقل نفايات كل لبنان إلى محرقة واحدة؟ أكيد لا. لأن هذا الأمر يتطلّب كلفة عالية، ليس فقط كلفة مادية إنما بالتلوّث الناتج عن عملية النقل.
النقطة الثالثة، أين سوف نذهب بنوعين من الرماد؟ الرماد الطائر (Fly ash) وهو خطير لأنه يتطاير من الدواخين وينتشر مع الهواء، والرماد الثقيل (Bottom ash) وهو يحتوي على خليط من الملوّثات. وهذين النوعين من الرماد تنقلهما الدول الأوروبية إلى أمكنة بعيدة وأحيانًا إلى جذر نائية، ومثل هذه الإمكانية غير متوفرة في لبنان، خصوصًا أن لبنان قائم على طبقة واسعة من المياه الجوفية التي تغذي الينابيع وتؤمّن مياه الشفة.
لكن لالتزام الإيجابية، يمكن أن نُجري دراسة علمية حول إيجابيات اعتماد طريقة حرق النفايات لتوليد الطاقة (Waste to energy). قد تكون هناك إيجابيات لكن الأمر يستلزم دراسة. أيضًا هناك ما يُسمّى بـ”استرداد الطاقة” و”الهرم البيئي لمعالجة النفايات”، يبدأ بالتخفيج وإعادة الاستعمال، بالتدوير، بالتسبيخ، ثم تأتي مرحلة استرداد الطاقة من النفايات أو المرفوضات غير الخطرة ذات القيمة الحرارية. وهذه ملحوظ في المادة الثانية من قانون النفايات رقم 80 الصادر عام 2018. في هذه الحالة يمكن استرداد الطاقة من نفايات محددة بدل طمرها. هذا موجود وقائم وتستخدمه الدول الأجنبية، لكن ما تطرحه الوزيرة هو حرق كل شيء.
ويختم أبي راشد بأن المخاطر الناتجة عن النفايات في لبنان هي المكبات العشوائية التي لم تعالجها الحكومات حتى اليوم. وهذه المكبات تتسبب بالحراق، وهناك تسرب لآثارها ما يُلوّث المياه الجوفية. وأيضًا اختيار مواقع في البحر للكب والطمر أمر خطير جدًا لأنه يسرّب الميكروبلاستيك إلى مياه البحر. ويقترح أن تقتنع الحكومة بأن عليها أن تسمع للخبراء البيئيين وتستعين بكفاءاتهم وتجاربهم. وأُطلق صرخة عبركم أن هناك من يقول أن عنده حلولا بيئية غير مكلفة، سريعة التنفيذ تخلق فرص عمل وتساهم في الحد من التغيّر المناخي وقابلة للتنفيذ.”
خلاصات وعِبَر
خبراء البيئة في العالم أيضًا يلتقون على هذا الرأي معتبرين أن النفايات ليست وقودًا، ولا ينبغي أن تكون كذلك. فمحارق النفايات تهدر الموارد وتُقوّض جهود إعادة التدوير والترشيد. فأكثر من 90 في المئة من المواد التي يتم التخلّص منها حاليًا في محارق النفايات ومكباتها قابلة لإعادة الاستخدام والتدوير والتحويل إلى سماد. وإن حرق هذه المواد لتوليد الكهرباء يُثبّط الجهود الضرورية للحفاظ على الموارد وتقليل العبوات والنفايات، كما يُقوّض ممارسات توفير الطاقة. ويعتبرون أن جميع المحارق تُمثل هدرًا هائلًا للطاقة. ونظرًا لانخفاض القيمة الحرارية للنفايات، لا تُنتج المحارق سوى كميات صغيرة من الطاقة بينما تُدمر كميات كبيرة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام. في المقابل، تُوفر ممارسات “صفر نفايات”، مثل إعادة التدوير والتسميد، ما بين ثلاثة إلى خمسة أضعاف كمية الطاقة المُنتجة من حرق النفايات. وقد وجدت إدارة نيويورك للحفاظ على البيئة أن محارق النفايات في الولاية تُصدر ما يصل إلى 14 ضعفًا من الزئبق لكل وحدة طاقة مقارنةً بمحطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم.
ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن التكلفة الرأسمالية المتوقعة لمرافق محارق النفايات الجديدة تُعادل ضعف تكلفة محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، وتزيد بنسبة 60 في المئة عن تكلفة مرافق الطاقة النووية. كما تتطلّب محارق تحويل النفايات إلى طاقة استثمارات رأسمالية ضخمة، فيما تُوفر فرص عمل قليلة نسبيًا مقارنةً بإعادة التدوير.
كما أن أوروبا، موطن بعضٍ من أكثر مرافق حرق النفايات تطوّرًا في العالم، قد اتخذت الخطوة الأولى نحو التخلّص التدريجي منها. ففي كانون الثاني الماضي، نصحت المفوضية الأوروبية في بيانٍ لها حول دور “تحويل النفايات إلى طاقة” الدول الأعضاء بإصدار قرارٍ بوقف بناء محارق جديدة، وإيقاف تشغيل المرافق القديمة، والتخلّص التدريجي من الدعم الحكومي والإعانات المخصصة للحرق. وهناك اتجاهٌ عالمي قوي نحو التخلّي عن حرق النفايات والتوجّه نحو تحقيق صفر نفايات. اعتبارًا من عام 2000، وعلى الرغم من أن محارق النفايات الصغيرة (تلك التي تقلّ سعتها اليومية عن 250 طنًا) تعالج 9 في المئة فقط من إجمالي النفايات المحروقة، إلا أنها أنتجت 83 في المئة من الديوكسينات والفورانات المنبعثة من حرق النفايات البلدية.
المسألة برأي ليس فقط خبراء البيئة بل المعالجين الصحيين أن الآثار الصحية لحرق النفايات ظاهرة جليًّا في العديد من الحالات الصحية التي تتم معالجتها. وقد حددت نتائج مراجعة منهجية للأبحاث الحديثة عددًا من الأعراض والأمراض المرتبطة بالتعرّض لتلوث محارق النفايات. وتشمل هذه الأعراض الأورام الخبيثة، ومشاكل الجهاز التنفسي، والتشوّهات الخلقية، ووفيات الرضع أو الإجهاض. ويعاني السكان القريبون من محارق النفايات القديمة التي لا تتم صيانتها بشكل كافٍ من درجة أعلى من المشاكل الصحية. كما حددت بعض الدراسات أيضًا خطر الإصابة بالسرطان.
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” ـ العدد 1763
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]