#dfp #adsense

انتصارات “الحزب” على الخصم الوهمي.. المسرحية انتهت

حجم الخط

الحزب

في كل لحظة تلوح فيها فرصة حقيقية لاستعادة الدولة اللبنانية زمام المبادرة، تسارع منظومة “الحزب” إلى إغراق الفضاء السياسي بطروحات وإشكاليات مفتعلة، تتنقل بين ملفات داخلية، مثل التحريض الشعبي على الدولة بذريعة إعادة الإعمار، أو طرح تعديل قانون الانتخابات في توقيت مشبوه، وملفات إقليمية كالدعم الأعمى لإيران وتنظيم مظاهرات على طريق المطار، وصولًا إلى الاشتباكات الإعلامية كالحملة المستمرة على وزير الخارجية، والمعارك الثقافية والدينية المفتعلة، كما في قضية الموظفة المتعاقدة مع تلفزيون لبنان “زينب ياسين” التي حُوّلت عمدًا إلى معركة “حرية دينية”.

جميع هذه الملفات تُستَخدم لهدف واحد: توتير الداخل، إرباك الدولة، تفجير التناقضات، وتأجيل أي نقاش جدي حول سلاح “الحزب”، وشرعيته المتآكلة.

هي استراتيجية ممنهجة، تُدار بخبث سياسي متراكم، تستنزف طاقة البلد وتُبقيه في دوامة الأزمات المتشابكة، حيث لا قرار يُتخذ، ولا مشروع يُبنى، ولا دولة تنهض. كلما اقتربت البلاد من لحظة مواجهة مع الحقيقة، وهي أن السلاح خارج الدولة لم يعد قابلًا للاستمرار، يستولد “الحزب” أزمة جديدة، ليُعيد ضبط الإيقاع على طريقته.

وفي هذا الإطار، تندرج حملته المستمرة تحت عنوان “مواجهة مشروع التطبيع” كإحدى أدواته المألوفة في اللعب على تناقضات اللبنانيين، وإثارة الشكوك في ما بينهم، وتوسيع مساحات الاتهام والتخوين، على الرغم من أن أحدًا لم يطرح هذا المشروع، لا في العلن ولا في الكواليس.

“الحزب” يرفض أن يهنأ البلد بلحظة استقرار، ويبدو مستعدًا لاستخدام لبنان حتى الرمق الأخير، ولو على أنقاضه، فقط ليُبقي موقعه المتقدم والمتحكّم فوق الجميع.

 

السلاح بحاجة إلى سردية… ولو كانت وهمًا

منذ انسحاب إسرائيل من الجنوب في العام 2000، لم يعد سلاح “الحزب” بحاجة إلى مقاومة فعلية، بل إلى سردية تُعيد إنتاج ضرورته في الوجدان الشعبي والسياسي. ومنذ ذلك الحين، تنقّل بين روايات متعددة: بدأت من مزارع شبعا، على الرغم من أن الدولة اللبنانية نفسها لا تملك وثائق رسمية تثبت سيادتها الكاملة عليها، وحطت رحالها عند “محاربة المؤامرة الأميركية” في أعقاب المحكمة الدولية وقرارات الأمم المتحدة، مرورًا بـ”مكافحة التكفيريين” في سوريا، في سياق توسعة شرعيته المذهبية والإقليمية، حتى وصلت إلى “معركة الإسناد” التي أطلقها في تشرين الأول 2023 بذريعة دعم غزة، من دون أن ننسى خطاب “حماية الوجود الشيعي وحقوق الطائفة”، متناسيًا أنه هو من جلب الموت والدمار لبيئته، في حين أن الدولة وحدها هي من تحمي جميع أبنائها دون تمييز، لتصل اليوم، إلى اختراع خطر التطبيع.

كل سردية تأتي لتملأ الفراغ الذي يخلّفه غياب المبرر الحقيقي لاستمرار هذا السلاح، وتُعيد تعويمه في كل محطة.

في هذا السياق، يُمكن قراءة سلوك “الحزب” من خلال عدسة “كارل شميت”، الفيلسوف السياسي الألماني، الذي رأى أن السياسة تقوم على ثنائية “الصديق/العدو”، حيث لا يمكن للسلطة أن تستمر من دون وجود عدو دائم. و”الحزب”، في إطار هذه النظرية، بحاجة دائمة إلى اختراع خصم داخلي أو خارجي، ليُبرر بقاءه كقوة استثنائية فوق الدولة. فهو لا يكتفي بإدارة السياسة، بل يُعيد تشكيل المجتمع حول خوف مستمر.

 

مكيافيلية السياسة: افتعال الخطر لصناعة المجد

هنا أيضًا يحضر المفكر السياسي “نيكولو ميكافيلي”، الذي نصح الحاكم في كتابه “الأمير” أن يفتعل الأزمات ويُظهر نفسه مخلّصًا منها ليكسب الولاء والهيبة. “من الأفضل أن يُخاف الأمير على أن يُحب، ما دام الخوف لا يتحوّل إلى كراهية.”

يستخدم “الحزب” هذه القاعدة باحتراف: يفتعل خطرًا لم يطرحه أحد، ويشنّ عليه حربًا إعلامية، ثم يُعلن النصر ويطلب الشكر والولاء. إنها مسرحية سلطوية كلاسيكية، حيث تُصبح صورة “المنقذ” أهم من الواقع، والتهديد أهم من الحقيقة.

 

التطبيع: سردية بلا خصم

في ملف التطبيع، المفارقة أكثر سطوعًا من أي وقت مضى. لا أحد في الداخل اللبناني دعا إليه، لا الرئاسة، ولا الحكومة ولا أي من الأطراف السياسية الفاعلة، ولا حتى الولايات المتحدة التي صرّحت بوضوح على لسان مورغان أورتاغوس أن “التطبيع ليس على أجندتها”. ومع ذلك، يُصرّ “الحزب” على إطلاق معركة ضد وهم، وتخوين قوى سياسية بكاملها فقط لأنها تطالب بدولة سيدة، مستقلة، يحتكر فيها الجيش الشرعية الأمنية.

الهدف من هذه الحملة ليس الدفاع عن فلسطين، التي باتت تُستخدم وقودًا لشرعنة السلاح، بل ضرب خصوم الداخل، وشيطنة كل دعوة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة. هو ببساطة يُعيد إنتاج نفسه عبر العدو الذي يخترعه.

وهنا، تحضر بعمق مقاربة “جورج أورويل” في روايته “1984”، حيث تكون الحرب الدائمة ضرورة وجودية للنظام، و”العدو”، وإن كان خياليًا، هو أداة توحيد الداخل، وقمع المعارضة، وتجديد الولاء. “الحزب”، تمامًا كما في هذا النموذج الأورويلي، يخوض معركة “تطبيع” لم تقع، ليعلن نصرًا لم يطلبه أحد، ويُحصّن شرعية لم تعد قائمة إلا على الخوف.

 

الهروب من الاستحقاق الحقيقي

الحقيقة التي يُدركها “الحزب” تمامًا، ويسعى جاهدًا لتغطيتها، أن هناك واقعًا جديدًا يتشكّل في لبنان: وعي وطني سيادي آخذ في التصاعد، يرفض استمرار ازدواجية القرار، وهيمنة السلاح، وتعطيل المؤسسات، وإبقاء لبنان معزولًا عن محيطه العربي والدولي.

وفي مواجهة هذا الواقع، لا يجد “الحزب” أمامه إلا استعمال أدواته التقليدية: التخوين بدل الحوار، والترهيب بدل التفاهم، والضجيج السياسي بدل النقاش الوطني الهادئ. فحملته الأخيرة ليست سوى محاولة مستميتة لإعادة فرض هيبته، في لحظة بدأت فيها الأرض تهتزّ تحت شرعيته.

فكلما اقترب النقاش من سلاحه بجدية، وتطبيق القرارات الدولية، وترسيم العلاقات مع العالم، يُشعل الحزب “قنبلة دخانية” تحت عنوان جديد، تُشتّت الأنظار عن السؤال الجوهري: إلى متى يبقى السلاح فوق الدولة؟

 

إفشال المسرحية يبدأ من تفكيك سرديتها

المطلوب اليوم ليس الدخول في جدل مصطنع حول التطبيع، بل تفكيك سردية “الحزب”، وفضح توقيتها، وقراءتها ضمن السياق الأشمل:

1 ـ الرد الرسمي الواضح من مؤسسات الدولة بأن لا تطبيع مطروح.

2 ـ تثبيت حق كل لبناني في التعبير دون وصاية أو تخوين.

3 ـ إعادة التأكيد على أن الدفاع عن لبنان هو حق حصري لمؤسساته الشرعية، لا لجهة حزبية مرتبطة بمحور إقليمي.

4 ـ فضح محاولات “الحزب” الدائمة لاختراع خصوم جدد لتجديد شرعية سلاح منتهي الصلاحية.

 

الخلاصة: انتصار جديد بلا معركة

“الحزب” يخوض اليوم أضعف معاركه، لأنها لا تستند إلى خطر حقيقي، ولا إلى عدو فعلي، ولا إلى وجدان شعبي موحّد. انتصاره الوحيد فيها هو في روايته، أما الواقع اللبناني فيرفض هذه المسرحية.

لقد آن الأوان أن تُقال الأمور بوضوح: السلاح الذي يحتاج إلى اختراع خطر ليُبرَّر، هو سلاح لم يعد له مبرر. والحزب الذي يقف ضد شعبه لحماية سلطته، يُصبح خطرًا على شعبه.

وحدها الدولة تحمي لبنان، ووحده الحق لا يحتاج إلى اختلاق أعداء وهميين ليثبت وجوده.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل