
مقاربة أيّ مسألة سياسيّة تختلف بحسب طبيعة المجتمعات. فالمواطنة في المجتمع التعدّدي تبقى مواطنة، لكنّ مقاربتها هي التي تختلف مقارنة مع غيرها من المجتمعات. ولأنّنا أبناء القضيّة لا نستطيع أن نكون معزولين عن مجتمعنا الوطني. إذ بحسب المفكّر بيتر سينجر Peter Singer “لا يمكن أن يكون هناك مجتمع جيد إذا كان مجرّد تجمع لأفراد معزولين مرتبطين فقط بالمصلحة الذاتية العابرة”. هكذا جسّدنا مواطنيّتنا انطلاقًا من القضيّة التي نؤمن بها. ولم نفكّر يومًا بمصلحة ذاتيّة على حساب مصلحة المجتمع وإلّا لما اعتُقِلنَا واضطُهِدنا ولا تحوّلت أجسادنا لوحات رسمَت بسياط الجلّادين في زمن النّظام الأمني السوري – اللبناني.
ولأنّنا نؤمن بالقضيّة التي ننتمي إليها، استطعنا إحداث التغيير والإصلاح الحقيقيّين. في وقت، ادّعى غيرنا ذلك وما آمن يومًا بالقضيّة. فبحسب المفكّرة مارغريت ميد Margaret Mead “لا تشك أبدًا في أنّ مجموعة صغيرة من المواطنين المفكرين الملتزمين يمكنها تغيير العالم؛ في الواقع، هذا هو الشيء الوحيد الذي كان له تأثير دائم”. هكذا كنّا، وهكذا سنبقى. أبناء القضيّة اللبنانيّة فقط لا غير. ولا قضيّة تعلو فوقها مهما سمت.
أ- صحّة خياراتنا عبر التاريخ
لذلك، حياتنا الاجتماعيّة دائمًا كانت صحيّة لأنّه بحسب ما قال المفكّر رودولف شتاينر Rudolf Steiner “عندما يجد المجتمع بأكمله انعكاسه في روح كلّ فرد، وعندما تعيش فضيلة كل فرد في المجتمع بأسره، تكون الحياة الاجتماعيّة صحيّة”. وعلى الرغم من ذلك كلّه، لتحقيق المواطنة الكاملة في مجتمع كالمجتمع اللبناني، يجب الوصول إلى حالة من التوازن الدقيق بين مختلف مكوّنات المجتمع الحضاريّة. وهذه هي المعضلة التي لم نستطع كلبنانيّين حتّى اليوم تحقيقها. ولكنّ ذلك لم يكن عائقًا أمام نضالنا لنّنا لم ندافع عن فئة من المجتمع بل دافعنا عن مجتمعنا كلّها في وقت الحرب. وفي وقت السلم يوم دخلنا الميدان السياسي، إنّما دخلناه من بوّابة الكفاءة والنّزاهة من قبلن ومن بوّابة العدل والحقّ والمساواة للجميع.
من هذا المنطلق، لتحقيق المواطنة التي نصبو إليها عبر التزامنا بالقضيّة التي بها نؤمن، نحن بحاجة إلى تحقيق اقتراح المفكّر جون رولز وهو مفهوم “التعددية المعقولة” (Reasonable Pluralism)، حيث اعترف رولز بأن المجتمعات الديمقراطية تحتوي على تنوع في العقائد الشاملة. ولتحقيق الاستقرار، دعا إلى “توافق متداخل” (Overlapping Consensus) حيث يتّفق المواطنون، على الرغم من اختلاف معتقداتهم، على مبادئ العدالة الأساسية التي تحكم المجتمع. وهذا ما جسّده مبدأ الديمقراطيّة التوافقيّة الذي باختلاله اختلّ مفهوم الوطن بأكمله.
ب- الحرّيّة فضاؤنا للعيش معًا
ففي كتاب “المواطنة المتعددة الثقافات: نظرية ليبرالية لحقوق الأقلياتMulticultural Citizenship A Liberal Theory of Minority Rights، للمفكّر ويل كيمليكا Will Kymlicka، جادل كيمليكا بأن الحقوق الجماعية للأقليات الثقافية يمكن أن تتماشى مع المبادئ الليبرالية. واقترح أن منح هذه الأقليات حقوقًا خاصة، مثل الحكم الذاتي أو التمثيل السياسي، يمكن أن يعزز اندماجهم ومشاركتهم في المجتمع الأوسع. وهذا ما يؤكّد صحّة مطالبتنا بتطبيق اللامركزيّة الاداريّة والسياسيّة الموسّعة ليستطيع كلّ مكوّن حضاريّ أن يعيش قناعاته في صلب القضيّة اللبنانيّة التي ننتمي إليها كمواطنين لبنانيّين ارتضينا أن نعيش معًا لا أن ننصهر معًا. لأنّ الانصهار يعني تذويب الهويّة في ما هو أكبر منها، وبالتّالي تضيع هويّتنا المكوّناتيّة التي هي علّة وجود لبنان الرّساليّ. هذا اللبنان الذي إن سقط تنجح الدّولة العنصريّة بسرقة دوره الحضاريّ. وكلّ من يساهم اليوم بعدم استعادة الدولة والانتظام المؤسّساتي إنّما هو بحدّ ذاته يخدم الفكر الإرهابي والدولة العنصريّة، مهما ادّعى أنّه المحارب الأوحد والأحد لهما.
فما نحن بحاجة إليه اليوم هو هذا “الفضاء العام” (Public Sphere) الذي تحدّث عنه المفكّر يورغن هابرماس Jürgen Habermas ليكون تلك المنصة التي نتفاعل فيها كمواطنين عبر الحوار العقلاني. وهذا ما يتطلب منّا جميعًا التزامًا متبادلًا لترجمة معتقداتنا الدينية والأخلاقية إلى لغة سياسية مشتركة، مما يسهل التفاهم والتعاون. وهذا الفضاء العام لا يكون إلا داخل المؤسّسات الدّستوريّة وأوّلها مجلس النوّاب، ويترجم تنفيذيًّا في الحكومة اللبنانيّة التي عملًا بالمادّة 65 من الدّستور تعمل على إرساء ثقافة التوافق والتصويت فقط في القضايا المصيريّة. فبذلك تسقط كلّ نظريّات طاولات الحوار العقيمة. لكنّ بعضهم لم يعتد بعد على انتظام العمل الدّستوري فينهال انتقادًا على مَن يطبّق الدّستور.
لذلك كلّه، وانطلاقًا من هذه الرؤى، نستطيع تحقيق المواطنة في لبنان من صلب قضيّتنا وذلك عبر الآتي:
– تعزيز الحوار المفتوح: تشجيع النقاشات العامة حيث يمكن للأفراد من خلفيات متنوعة التعبير عن آرائهم والتوصل إلى تفاهمات مشتركة.
– ضمان العدالة والحقوق المتساوية: تطبيق مبادئ العدالة التي تحترم حقوق جميع المواطنين من خلال ثقافة “دسترة المجتمع” أي بناء مجتمع لبنانيّ لا يؤمن إلّا بثقافة الدّستور اللبناني الذي تمّ التوافق عليه.
– الاعتراف بالهويات الثقافية: تقدير واحترام التنوع الثقافي، مع إيجاد طرق دستوريّة وديمقراطيّة لعيش حريّة هذه الهويّات معًا على قاعدة عدم الانصهار الهويّاتي، بل احترام التنوّع في صلب الوحدة اللبنانيّة والحفاظ على هذه الوحدة بكلّ تنوّعاتها الحضاريّة.
ج – بناؤنا المجتمعي على الصخر
باعتقادنا هذه الاستراتيجيات تسهم في بناء مجتمع متماسك يحترم التنوع ويعزز المشاركة الفعّالة لجميع أفراده، على اختلاف مشاربهم الثقافيّة والحضاريّة. وهذا ما يجب أن يتكامل مع سياسة حياد إيجابيّ فاعل وناشط. ولكنّ ذلك لا يُبنى في ليلة وضحاها بل هذا بحاجة إلى تطوير مناهج تعليمية تعزز القيم الديمقراطية، وتقدّر التنوع الثقافي، وتشجع المشاركة الفعّالة في المجتمع.
فعلى سبيل المثال لا الحصر يعتبر المفكّر التربوي جون ديوي John Dewey أنّ “التعليم والتجربة أساسًا للديمقراطية، حيث يرى أن التعليم يجب أن يكون عملية تفاعلية تعزز التفكير النقدي والمشاركة المجتمعية، مما يساعد الأفراد على أن يصبحوا مواطنين نشطين ومسؤولين. كذلك ويل كيمليكا Will Kymlicka في كتابه “المواطنة المتعددة الثقافات: نظرية ليبرالية لحقوق الأقليات Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights، الذي أشرنا إليه آنفًا يناقش كيفية دمج حقوق الأقليات الثقافية في إطار ديمقراطي ليبرالي. ويشدّد على أنّ التعليم يجب أن يعترف بالتنوع الثقافي ويمنح الأقليات الأدوات اللازمة للحفاظ على هويتها، مع تعزيز التفاهم المتبادل بين جميع الثقافات.
ولتحسين المشاركة المجتمعية بإمكاننا الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساعد في تحليل احتياجات المجتمع وتفضيلاته، مما يمكّن الحكومات والمنظمات من تصميم مبادرات تعزّز المشاركة المدنية وتلبي احتياجات المجموعات المتنوعة. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في مكافحة التحيز وتعزيز العدالة عبر الكشف عن التحيزات في البيانات واتخاذ القرارات، مما يساعد في تطوير سياسات أكثر عدلاً وشمولية تعزّز المساواة بين جميع المواطنين. كما يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النزاعات المجتمعية وتقديم حلول مبنية على البيانات، مما يسهم في تعزيز السلام الاجتماعي والتماسك بين المجموعات المختلفة.
د- المشاركة في المسؤوليّة أساس مواطنية القضيّة
في القرن الواحد والعشرين، كان للعديد من العلماء والمفكرين آراء قيمة حول أهداف التربية على المواطنة، وركزوا على تعزيز قيم المجتمع والحقوق والواجبات لدى الأفراد حيث يرى عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورنر Alain Touraine في كتابه (2000) The Voice and the Eye: An Analysis of Social Movements، أن التربية على المواطنة يجب أن تعزز الوعي الاجتماعي والمسؤولية المدنية من خلال تحفيز الأفراد على المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية والسياسية. ويدعو إلى فهم التحديات الاجتماعية والثقافية المتنوعة في العالم المعاصر.”
بينما يرى عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنز Anthony Giddens في كتابه (2002) Runaway World: How Globalization is Shaping Our Lives أنّ “تربية مواطنة تتجاوز الحدود الوطنية، وتركز على تعزيز الوعي بالعولمة وحقوق الإنسان، تساعد الأفراد في أن يفهموا دورهم في المجتمع العالمي، ويكتسبوا المهارات اللازمة للمشاركة في صناعة القرارات السياسية والاقتصادية.”
مقابل ذلك، لا تزال رؤية الفيلسوف الأميركي جون ديوي John Dewey الكلاسيكي بأفكاره حول التربية على المواطنة، تُؤخذ بعين الاعتبار، فيرى في كتابه (1916) Democracy and Education أنّ التربية يجب أن تركّز “على تعزيز المشاركة النشطة في الحياة المدنية، وتطوير الحس الأخلاقي، والقدرة على التعاون بين الأفراد من خلفيات مختلفة”.
هـ- المواطن الصالح هو ابن القضيّة
في المحصّلة، ما قمنا به كفريق سياسي تجاه مجتمعنا ينطلق من صلب قناعاتنا وإيماننا بالقضيّة اللبنانيّة التي لا قضيّة تعلو عليها. فالتربية على المواطنة يجب أن تشمل فهمًا عميقًا للقيم الإنسانية المشتركة، والتفاعل مع المجتمعات المتنوعة، والوعي بالحقوق والواجبات على مستوى محلي وعالمي. لذلك نعمل على بناء نهج شامل لزيادة مشاركة الشباب في الخدمات المجتمعية، ولاسيّما من خلال انخراطهم بالعمل السياسي من بوابة العمل الإنمائي عبر الانتخابات البلدية والاختياريّة القادمة، كما نعمل على بناء فكر يؤمن بالقضيّة اللبنانيّة ويعمل لأجلها إكرامًا لكلّ الذين استُشهِدوا لنبقى نحن. فما بين القضيّة والمواطنيّة ارتباط تكامليّ لا يمكن تجزئته.
أن تكون مواطنًا صالحًا يعني أن تحمل القضيّة اللبنانيّة في أعماق كيانك. أمّا إن التزمت بقضايا أخرى من الوجهة الكوزموبوليتيّة على حدّ ما كتب المفكّر كوامي أنتوني أبياه Kwame Anthony Appiah “الكوزموبوليتية هي فكرة أن جميع البشر ينتمون إلى مجتمع واحد”. فهذا يعني حتمًا أنّك تخليت عن إيمانك بوطنك ظنًّا منك أنّ الانتماء الأكبر سيجعلك أكبر. عندها تكون قد خسرت هويتك الوطنيّة وذوّبت كيانك في المحيط الكياني الأوسع. فالقضيّة والمواطنيّة وجهان لعملة الكيان الاتّحادي الذي ننتمي إليه انطلاقًا من حرّيّتنا كلبنانيّين، ولا يمكن للواحدة أن تبنى على حساب الأخرى. فهل سننجح بصقل ذاتنا الكيانيّة من خلال مواطنيّة القضيّة وقضيّة المواطنيّة؟