أم الشهيد.. يا روح العيد ومعناه

حجم الخط




تسدل الحرب ستائرها بنصر أو بهزيمة، لكل حرب خواتيمها.

نحن المصابون بمتلازمة طائر الفينيق، نحترق، نرمّد وننتفض من جديد، بإكليل من غار أو من شوك، دائما نهاية السطر تنتظر النقطة.

تنتهي الحرب ويستريح الزناد ويعود المقاتل لدفء بيته ليروي يومًا لأولاده وأحفاده سيرة حقبة خاضها بفخر ويلقّنهم دروسًا في عشق الوطن والثبات فيه.

تقلِّب الحرب صفحتها الدمويّة، يندثر رمل السواتر حزنًا واشتياقًا لمن احتضنتهم أحياءَ خرجوا منها أو شهداء.

من بقي أعاد بناء الحجر، انتهت نزهة الموت بين الأنقاض وأصلحت الطمأنينة ما خلّفته الفجيعة.

محظوظ من نجا بالصدفة أو بأعجوبة.

محبطٌ من وُشِم جسده وروحه بإصابة إلّا أنه ما زال ينبض حياةً حبًا بقضية آمن بها…

نعم تنتهي الحرب في قلب الوطن وتأبى النهاية في قلب واحد ممزق إربًا إربًا… قلب أم الشهيد.

ولو وضعت الحرب أوزارها، من يخفف وزر فقد فلذة الكبد؟

يا أمهات الشهداء؟ أي أمهات أنتن؟ أقدسهن، أطهرهن؟

يا صابرات صبر مريم العذراء عند أقدام الصليب، يا من حولتن الآلام الى قيامة وانتصار بفؤاد مفطور ودموع حفر ملحها ندبات عزّ وكرامة هدية لقضية مقدسة.

يا أمهات بمرتبة شرف، باهظة العنفوان والثمن، لا تنالها إلا من أنجبت بطلاً زرعت فيه صفات الرجولة ليكون الحصن المنيع أمام كل غاصب ومغتصب لأرضه وأرزه، فكانت حياته الفداء وذاته ذبيحة حب وقرابين على مذبح عقيدة وقضية لم يقترن اسمها بالخوف يومًا ولم تبخل على لبنان بأنبل الرجال وأبسلهم.

يا أم الشهيد… ونحن الواثقون بأنه اللَّقب الأغلى على مسمعك وقلبك.

أية معايدة نوجّه لك في عيد الأم؟

كل الأيام أيامك يا بركة العيد… ماذا عسانا نقدّم لك؟ وما أزهد الهدايا مقارنة بهديتك.

يا شامخة شموخ العطاء المجّاني وشموخ الأنا المتفانية..

حبّذا لو نحتذي بصبرك يا راضيةً برجاء بقدرك الأليم، يا مؤمنةً إيمان الأبرار والقديسين، يا مذخّرة بأيقونة إبنك والعذراء وصليب ثقيل على منكب أنهكه وجع الشوق والانتظار الى أن يحين موعد اللقاء…

يا أمهات الشهداء، يا فخرنا ويا رؤوسنا المرفوعة نحو الخالق، نحن ندرك بأن كل باقات الورد لن تبلسم شوك وشوق القلوب…

إن كل هدايا الكون سراب وكل كلمات المديح ركيكة وكل بطاقات المعايدة حبر على ورق، مقارنة بصوته المفقود على ركوة القهوة صباحًا، وهمسته تصبحين على حبّي يا أمي…

يا أمهات الأبطال… ملائكتنا الحرّاس، ننحني حبا وإجلالاً عرفانا للجميل.

يقولون، إن الأرض المرتوية دماءً تزهر بخورًا ووفاء، وها هم أبناؤكم استشهدوا فأزهروا وطنًا.

سرتنّ خلف نعوشهم البيضاء فسرنا خلفكن نحو الخلاص…

يا أم الشهيد يا أبهى الأمهات… سيحلّ 21 آذار هذه السنة كما كل سنة، مثقلاً بالذكريات، وسيسبق قلبك خطواتك نحو خزانته لتشتمّي بتنهيدة الأعماق رائحة بزته الزيتيّة ولو مضت أعوام وعقود، عطره وعرقه المجبول بتراب لبنان، باقيان ثابتان، أفخر وأغلى العطور.

ستضمّي إطارًا زجاجيًا يحتضن ابتسامته وبريق عينيه وستصلّين… ستصلّين كثيرًا.

أذكري لبنان في دعائك يا قريبة من قلب أم الفادي ويا مختارة مطيعة لمشيئة ابنها..

أذكري لبنان والرفاق في تضرّعك، فأنت أم الشهيد الذي بذل ذاته فداءً عنّا، ذنبه الوحيد أنه من مدرسة قضية لم تساوم يوماً على مسيحيتها..

أذكرينا يا أيتها الغالية، أذكري رفاق ابنك في مناجاتك ليسوع وفوّضي أمر لبنان له، سيستجيب لك.

أنتِ، يا من تجرّدت من الأنانية فوهبت لبنان والمسيحية قلب قلبك حتى تبقى أجراسنا تُقرع… وستبقى!

كل عام وأنت أبهى وأسمى وأنقى الأمهات.

 

كتبت جويس قزي في “المسيرة” ـ العدد 1763

 

إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل