كتابات متأخّرة
قد تكون مطالبة العماد ميشال عون تجديد صلاحيات نائب رئيس الحكومة فلا يبقى المنصب شرفيا، مطالبة محقة من حيث المبدأ، لكنها شديدة الخطورة من حيث التداعيات.
سنضع جانبا الجانب الانتخابي من وراء الظهور مظهر المدافع عن "الحقوق" الارثوذكسية "المهدورة"، لنتناول الجوهر: ان اي تحديد للصلاحيات يقتضي تعديلا دستوريا، نظرا الى خلو الدستور من اشارة الى صلاحيات نائب رئيس الحكومة. فهل من مصلحة المسيحيين فتح الباب امام تعديلات دستورية يعرف من أين تبدأ ولا يعرف منتهاها؟ أولم يطرح البعض امكان إحلال المثالثة محل المناصفة؟ اوليست "نهائية الكيان اللبناني" من العناوين الكبرى التي طالبت بها الاحزاب والنخب المسيحية؟
ثم، وهذا هو الاهم، ألن تؤدي هذه الدعوة الى فتح الشهية لإعادة النظر في مجمل الصلاحيات والتوازنات بين المجموعات الطائفية؟ ألن تحسب هذه المطالبة في خانة التعرض لصلاحيات رئيس مجلس الوزراء السني، ولحساب الطرف الشيعي المتحالف مع "التيار الوطني الحر"؟ وهل تتحقق مصلحة المسيحيين بالاندراج، سياسيا، في الصراع السني – الشيعي المندلع؟
هل تخدم هذه المطالبة شعار "العيش الواحد" الذي رفعه العماد عون في جولته الجنوبية؟ وهل "العيش الواحد" يستقيم في لبنان مع الشيعة وحدهم؟ ولماذا التوتير "المجاني"(؟) للعلاقات الارثوذكسية – السنية؟ ولماذا لا يلتزم الارثوذكس جميعا سياسة الجسر بين السنة والشيعة؟
اما مسألة الحقوق "المهدورة" للارثوذكس، فشأن تقرره المرجعية الدينية الارثوذكسية بالتوافق مع المرجعيات السياسية في الطائفة، ولا تترك في بورصة الانتخابات والتجاذبات المصلحية.
II
دعوة الصديق الشاعر جهاد الزين (صفة يستحقها بعد ديوانه، وخصوصا بعد مرثاته الشعرية لجوزف سماحة في جريدة "السفير") الى وقفة نقد ذاتي يقفها ابناء "بيئة 14 آذار" حيال ما نزل بالمواطنين السوريين في لبنان (بغض النظر عن دوافع النظام السوري من طرح مسألة المفقودين السوريين ردا على المطالبة اللبنانية بجلاء مصير المفقودين اللبنانيين في سوريا) دعوة تمتلك اساسا سياسيا واخلاقيا مؤكدا.
فمن دون هذا الاعتذار سيبقى الكلام على رفض الشوفينية التي اتسمت بها بعض ممارسات "بيئة 14 آذار" او تصريحات عدد من رموزها، كلاما اجوف.
الى هذا البعد الاخلاقي، نضيف ما كشفه مروان اسكندر في كتابه الاخير عن تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري (طبعة دار الساقي – 2007) حيث جاء فيه انه "اذا صح ان تحويلات العمال السوريين الى ذويهم داخل سوريا تقدر بمليار دولار سنويا (بحساب أن عدد العمال السوريين يراوح بين 350 الفا ونصف مليون عامل، وان العامل يعمل 250 يوما في السنة بأجر 10 دولارات يوميا فيوفر ويحول منها 2000 دولار سنويا) الا ان العمال السوريين يوفرون على لبنان اكثر من ذلك، اذ ان مشاركتهم في البناء والزراعة والخدمات الاساسية وفرت للبنان هذه النشاطات بكلفة دنيا. ان لبنان قد يكون حوّل مليار دولار الى سوريا، ولكن يجب ان نتذكر ان لبنان وفر على نفسه مليار دولار من كلفة العمالة واكثر" (ص 165).
هل يكفي هذا الرقم للتخفيف قليلا من غلواء الصراخ الاتهامي في وجه عمال كان النظام السوري نفسه هو المسؤول عن دفعهم للعمل خارج بلادهم؟