#adsense

النار تأكل الصناديق؟

حجم الخط

النار تأكل الصناديق؟!

الجمر متأجج تحت الرماد في الاسوار. لكن الخلاف على جنس الملائكة مستمر على كل المستويات تقريبا في لبنان، قسطنطينية العصر بامتياز!
وهكذا يمكن الحديث عن انفصام جذري بين الاستعراض السياسي العام في البلاد والمشهد الشعبي العام الواقع في الاحتقان والضغائن والسائر على حد جروح تزداد عمقاً. إن النقاش المحموم حول قانون الانتخابات النيابية المقبلة مسألة ضرورية وملحة من الناحية النظرية او المبدئية. ولكن هناك ما يستدعي الانخراط في نقاش ملح وضروري اكثر من القانون المذكور، او على الاقل قبل ذلك القانون الذي لا بد من ان يتفق عليه المختلفون على جنس الملائكة في نهاية الامر.

والمقصود هنا الجمر المتأجج تحت رماد الطائفية والمذهبية في لبنان والذي قد يحرق الانتخابات صناديق وبشراً ايضا.
والمواطن اللبناني، ايها السادة الكرام، الذي أُتيح له الاطلاع على وقائع جلسة مجلس النواب امس، وما شهدته من تراشق نسبي بالورود على خلفية ما كان قد حصل ليلا في رأس النبع من إشكال استدعى تدخل الجيش بعد وقوع عدد من الجرحى، كما قيل، هذا المواطن القاعد تحت قوس القلق والخوف يعرف اكثر من معظم الذين قعدوا امس تحت قبة البرلمان، اننا فعلا في قسطنطينية العصر:
النار في الاسوار واهل السياسة في جنس القوانين والملائكة.

❒ ❒ ❒

إن ما حصل في رأس النبع ليس حادثا عارضا او مفاجئا. وليس اعلانا عن نزاع فردي سرعان ما ينتهي. انه محطة قليلة السخونة لكنها تأتي في سياق ملتهب، مقلق ومخيف، يعيد دائما نكء جروح 7 ايار الماضي التي لم تحسّن من حالها حتى الآن مراهم اتفاق الدوحة، ولا يبدو انها ستتحسن!
واذا كان الخلاف على رفع لافتة لمناسبة شهر الصوم المبارك، كما تردد، قد تسبب في حدوث أعمال تتنافى كليا مع معاني ذلك الشهر الفضيل، فهل من الصعب ان نتصور ما يمكن ان تحدثه العملية الانتخابية غدا وما يتخللها عادة من رفع شعارات وتوزيع بيانات واقامة مهرجانات؟
يمكن ايها السادة الكرام ان تنشب الحرب العالمية الثالثة من اي حي او شارع او زاروب في هذا البلد السعيد، سواء عند المسلمين او المسيحيين، وكلنا سواسية في خوف الله سبحانه وتعالى.

❒ ❒ ❒

واذا كان ما حصل في رأس النبع محطة في سياق بات واقعاً مؤلماً ومخيفاً، فان ما حصل في مجلس النواب هو ايضا سياق مواز ولكنه مرعب في الحقيقة. ليس لأنه اكد الانصراف الى البحث عن جنس الملائكة في التقسيمات والاصلاحات الانتخابية وسط التعامي الكامل عن الجمر المذهبي المتأجج بين السنة والشيعة، بل لأن نوابا من الطرفين كادوا ان يغرقوا في التلاسن انطلاقا مما حصل، بدلا من ان يسارعوا تلقائيا او بدعوة من المرجعيات ذات الصلة الى عقد اجتماع استباقي مبكر يصدر عنه بيان يحاول على الاقل ان يضخ روح التفاهم والمودة والاخوة بين "الاخوة الألداء"، إن لم يكن من اجل الانتخابات المقبلة علينا بسرعة، او من اجل تضميد الجروح وتطييب خواطر الناس، فمن اجل رمضان كريم يا جماعة!

ورغم ان ما حصل في رأس النبع هو تماما كالذي حصل لاحقا في البرلمان، اي مجرد مسطرة صغيرة تذكيرية بأن البركان يغلي تحت اقدام الجميع، وقد سبق لنا ان اخذنا علما بذلك في خلال مناقشة البيان الوزاري وما شهدته الجلسات من قصف كلامي وقمع للرأي. رغم كل هذا لم يتنبه السادة النواب الى ان كل جهودهم المبذولة في مسألة التقسيمات الانتخابية يمكن ان تلتهمها نيران الانقسامات المذهبية التي قد تشعل الصناديق واللوائح والانتخابات، كما قلنا، ما لم يتم الاهتمام جديا بمعالجة هذه الانقسامات وتضميد هذه الجروح المشرّعة على رياح مصالح اقليمية مالحة ومسمومة جدا، تريد للبنان العودة الى جنون الحروب الاهلية التي لن تنتهي هذه المرة، إلا بزوال هذا البلد البائس.

❒ ❒ ❒

في اي حال، اذا كانت الحرية تجيز استعارة الافكار، فاننا في الحديث عن وقائع الجلسات الاخيرة لمجلس النواب لمناقشة البيان الوزاري وللبحث في القانون الانتخابي، الذي اعادنا الى عصر البداوة هو ايضا اي الى 48 عاما الى الوراء، كنا امام متناقضين يجوز فيهما الوصف الذي قدمه النائب ميشال عون اكثر من جوازه في موضوع نيابة رئاسة الحكومة، عندما تحدث عن "تصادم بين عقلية التنظيم والحداثة وعقلية البداوة والفوضى". ولأن الشيء بالشيء يذكر، فان كثيرين من اللبنانيين ذهلوا وهم يقرأون "مسك الختام" في تصريح عون وقد جاء حرفيا، كما يأتي:
"اذا لم تحصل انتخابات وفق القانون الجديد فسيحصل امر ما. لا اعرف ما هو. ولأن الطبيعة تكره الفراغ تملأه بالموجود وانتم استنتجوا".

❒ ❒ ❒

الاستنتاج ليس صعباً: إن لم تحصل الانتخابات فلن يكون ذلك بسبب القانون طبعا بل لاسباب تتعلق بالجنون والواقع المتأجج في البلاد الذي يزيد من تأججه هنا بالتأكيد تحذير عون من "أمر ما سيحصل".
ربما هو تحذير باستخدام هراوات الحلفاء الغليظة، أو مجرد تذكير بما حصل قبل اربعة اشهر تقريبا، وهو ما يعمّق الخوف من ان النار قد تأكل الصناديق لاسباب كثيرة… والله أعلم !

المصدر:
النهار

خبر عاجل