كوشنير "الأستاذ المغازل"!
يشتهر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بخصال وطبائع شخصية غالبا ما تطغى على الصورة الرسمية الجامدة والباردة لمنصبه في اعلى الهرم الديبلوماسي لفرنسا. وللبنان مكانة خاصة ومميزة لديه منذ عرفه اللبنانيون في "حرب التحرير" في اواخر الثمانينات من القرن الماضي حين اقتحم الحصار الناري السوري للمناطق الشرقية بباخرة إمدادات انسانية ومستشفى ميداني دخلت مرفأ جونيه وأجلت جرحى في أتون القصف اللاهب.
اكسب المراس اللبناني الطويل الوزير كوشنير ميزة تفاضلية في التعامل مع خصوصيات هذا الواقع المعقد باسلوب هو اقرب الى "الدلال" العفوي الذي يشعر معه الوزير الفرنسي بانه يحظى بمونة على الوسط السياسي ترقى الى مكانة بلاده في لبنان من جهة، وصداقاته الواسعة من جهة اخرى. وفي ضوء هذه التجربة "تسامح" ممثلو القوى والاطراف والاطياف اللبنانيين في مؤتمر سان كلو مع "الاستاذ" الصارم الذي مثله كوشنير حين كان لا يجد حرجا في تقريع ممثلي الحوار اللبناني حينا، وملاطفتهم احيانا في رحلة الابحار الفرنسي نحو كسر الازمة اللبنانية التي تناوب الخصوم – الحلفاء من اميركا وسوريا وايران مرات عدة على محاولة "طرد" فرنسا من حضورها فيها.
ثمة نجاحات كثيرة حققها اصحاب النفوذ الدوليون والاقليميون سابقا وحاليا على حساب فرنسا في لبنان. وثمة كثير مما قام ويقوم به عهد نيكولا ساركوزي حيال لبنان يثير حفيظة البعض وارتياح البعض الآخر. ومع ذلك فان فرنسا تفوقت في مكان اساسي هو انها اثبتت لحليفتها الكبرى اميركا و"للشريكين" الاقليميين صاحبي النفوذ الساحق على المعارضة اللبنانية سوريا وايران انها الشريك الدولي غير المنازع على "ضرورته" في لبنان، ناهيك بكونها الدولة الاكثر فهما للتعقيدات اللبنانية بفعل موقع تاريخي لها يزيل امامها كل حقول الالغام التي يشتهر اللبنانيون في نصبها امام الضيوف غير المرغوب فيهم.
ورغم العفوية الخارجة عن المألوف في شخصية كوشنير، والتي تبلغ مرات حد "اتهامه" بالولع المسرحي، فان زيارته الاخيرة لبيروت وفرت لراصديه مجموعة ملاحظات واختراقات يصعب جمعها لدى اي ديبلوماسي كلاسيكي رفيع.
فرئيس الديبلوماسية الفرنسية الذي لم يجد اي حرج امام عدسات التلفزة في التعبير عن اعجابه بجمال احدى المراسلات اللبنانيات، واصر على المترجمة ان تنقل محتوى "غزله" الى العربية، انفجر غضبا في وجه مراسل لبناني اتهمه بتسهيل محتمل لمقايضة مع سوريا على حساب تدخلها في لبنان.
ما شاهده اللبنانيون على الشاشات الصغيرة، فعل مثله كوشنير في الكواليس حين فاجأ محادثيه بكلام "رومانسي" عن بيروت التي اغضبه الاعتداء المسلح عليها فيما كان يطلق ملاحظات هي اقرب الى التحذيرات من عبث خارجي محدد الهوية والاتجاه في طرابلس. وذهب كوشنير الى دمشق، بعد طول قطيعة، "استاذا مغازلا" في آن واحد، حاملا اغراءات الانفتاح وشروط انهاء العزلة وملمحا ايضا الى شبهة سورية حيال احداث طرابلس ومثلها حيال التصريح الاخير للسيد حسن نصرالله.
ولا تقف دلالات زيارتي كوشنير لبيروت ودمشق عند هذا الحد، وخصوصا عند جعل البوابة اللبنانية الممر المشروط للعبور الى سوريا. فالمسار الديبلوماسي الفرنسي بدا كأنه حفّز الشريك والمنافس الاميركي. واشنطن تترك لحليفتها الاوروبية الكبيرة اكمال الشوط مع سوريا ولكنها تبقي "رقابتها" متواصلة على المسرح اللبناني، فيأتي ديفيد هيل الى بيروت غداة زيارة كوشنير. ثم يأتي لاحقا وزير الخارجية المصري، ممثل الشريك العربي الاوثق صلة بفرنسا خصوصا حيال لبنان.
المفارقة الاخيرة التي قد تتراءى للبعض في هذا السياق، هي ان شبح الاضطراب الامني في احياء من بيروت لم يتحرك منذ مدة الا بالتزامن مع هذه العودة الديبلوماسية اللافتة والكثيفة والموصوفة. أتراه كلام كوشنير عن بيروت قبل 24 ساعة من حادث رأس النبع ما حرك هذا الشبح، ام ان "قدر" كوشنير اللبناني هو ان يتحرك دائما حيث يعلو الدخان كل "غزل" ويحجبه، من الثمانينات الى اليوم؟