#dfp #adsense

فلسفة الصليب

حجم الخط

الصليب

عرف الصليب في التاريخ القديم كأداة تنفيذية لحكم إعدام تحقيري؛ حيث كان يُجرد الإنسان عليه من إنسانيته وينثر جسده هيولياً، فتنقره الغربان، وتسوح دماؤه، وتصبح ريّاً للخشب الميت، فتزيده موتاً فوق الموت، لاستكمال الموت.

أما صليب يسوع المسيح فمختلف تماماً والكمال. فيه تتجسد حالة الارتقاء الإنسانوي، حيث يبسط الإنسان إنسانيته أفقياً ليتحد مع أخيه الإنسان بالألم، ويرتقي عمودياً بإنسانيته نحو الألوهة.

وهكذا، بتأنسن الإله، أعاد إلى الإنسان ألوهيته التي أُنسنت فيه، لكنه عاد هو بكيانه المفصول عن الألوهة التي خُلق على صورتها، فسباها بشهوته العارية الجاحدة لنعمة الألوهة التي فيه مكونة.

ومنذ ذلك التاريخ وحتى الأزل، سنبقى بهذا الجهد السرمدي لاستعادة إنساننا في العبور بالصليب فيه ومعه وبه، إلى حيثما وجب أن نكون؛ أبعد من مبدأ الوجود المتأنسن، إلى مبدأ الكينونة المتألهة، حيث الكائن هو هو، يعيد ارتباطه بالموجِد وبالواجد.

ليبقى في هذا الوجود ذلك الطعم الكائني، أو التبكيت الخفي، بثالوث وجودي قوامه: موجود وموجد وواجد. فيتحول مع الصليب إلى ثالوث كياني قوامه: مكون وكائن ومكوِّن.

فبالصليب يُخلي الكائن ذاته في الكيان والكينونة، ليرتقي إلى الكيانية الإلهية الكلانية، حيث يستعيد الكل ذلك الكل الذي بعثره الوجود إلى أجزاء فقدت جوهر كيانيّتها.

فبالصليب نستنهض النظر الكياني فينا، لنعود فَنبرز نحن كما نحن، وكمن خُلقنا نحن، وكمن نحن. لنخرج من هويّتنا (هو) ونعود إلى نحنويّتنا (نحن للمثنى) فنعبر بالصليب الذي نحمله ونتّحد مع الأقنوم الثاني الذي لأجلنا صُلب.

وهكذا تبرز أنت كما أنت، وكمن أنت، باتحادك في الصليب معي أنا الموجود بالفعل، وأنت الموجود بفعل وجودي بهذا الصليب. فحينها أترك جانباً كل نظرية مسبقة عني وعنك، وأحدّق ببساطة وإخلاص بوجودنا الكياني معاً، نحيا معاً كما نحن بالذات، ونعبر بالصليب في كل يوم، وكل ساعة، وكل لحظة، حتى القيامة الثالوثية بالخلق الجديد في الصليب.​

خبر عاجل