#dfp #adsense

بين زنزانة الحكيم وضحكة البطريرك.. شهادة واعتذار بلُغة القلب

حجم الخط

الحكيم

21 نيسان 2000 – للتاريخ، أشهد:

كنّا في مصلحة الطلاب، كما كل عام، نجتمع في 21 نيسان إحياءً لذكرى اعتقال الحكيم.

في العام 2000، تزامنت الذكرى مع يوم الجمعة العظيمة، فقرّرنا أن نُحييها في كنيسة مار شربل الكبيرة، عنايا. وهكذا كان. اجتمعنا هناك، بالمئات، صلّينا واستذكرنا.

كان يكفي أن نلتقي كي تصل الرسالة إلى عمق قلوب الظالمين، فتُرعبهم.

بعد اللقاء والصلاة، اتّفقنا، مجموعة صغيرة من الرفاق وأنا، أن نتوجّه إلى بكركي، لنقابل البطريرك ونحمِل إليه شكوانا. لم نكن نتوانى عن فعل أي شيء في سبيل تشكيل أي ضغط ممكن لإخراج الحكيم من المعتقل.

وصلنا إلى بكركي، وكانت البوابة الخارجية مُقفلة، فبكركي لا تستقبل زوّارًا نهار الجمعة العظيمة. كانت الساعة السادسة مساءً تقريبًا. لكنّنا أصرّينا على الدخول، متحجّجين بأنّنا نودّ مقابلة أحد المطارنة لأمر طارئ.

قيل لنا إنّ الجميع في كنيسة الصرح الداخلية، فدخلناها من الباب الخلفي، وبالفعل، كانوا قلّة، مع البطريرك صفير، يصلّون ويرنّمون باللغة السريانية صلاة مختصّة بالجمعة العظيمة.

انتظرنا حتى أنهوا الصلاة، فخرجوا وخرجنا معهم.

تقدّمنا من البطريرك، قبّلنا يده، عرّفنا عن أنفسنا، وقلنا له إنّ سبب زيارتنا هو ذكرى اعتقال الحكيم. كان مُصغيًا كأب عطوف.

قلت له: “سيّدنا، صرلوا الحكيم ست سنين بزنزانة تلات طوابق تحت الأرض، وبلّش بالسنة السابعة، وبعدين؟! لأيمتى رح نضلّ ناطرين؟! ما عدنا قادرين ننطر بقى… اختنقنا”.

وبسرعة بديهته، شبك البطريرك يديه كعادته، وأجابني وقد ارتسمت على وجهه بسمة هي أقرب إلى الضحكة:

“صرلكُن سبع سنين ناطرين، صرلنا سبعة وسبعين…”، وأكمل ضحكته.

للصراحة، لم يرق لي جواب البطريرك.

فأنا من الرفاق الذين كرّسوا مجمل وقتهم بعد دخول الحكيم إلى المعتقل، على الرغم من صِغر سنّي، سعيًا لإخراجه والتزامًا بالقضايا التي كانت تحملها “القوات اللبنانية”، وعلى رأسها سيادة لبنان.

كنت إن صلّيت، أُصلّي للحكيم، وإن رفعت نخبًا، أرفعه للحكيم، وإن صمت، أصوم على نيّته، ولا أنام من دون أن أذكره، ولم يمرّ يوم في حياتي من دون أن يكون محور اهتمامي وحركيّتي.

وعلى الرغم من أنّني أبعد ما يكون عن عبادة الأشخاص أو تأليههم، غير أنّ الموقف التاريخي الذي أتخذه الدكتور سمير جعجع في مواجهة سلطة الوصاية والاحتلال، كالرمح، من دون أن يخاف، والظلم الذي لحق به، فجّرا في قلبي بركانًا من الوجدان، وفي عقلي جبالًا من الالتزام.

لذا، لم أستسغ جواب البطريرك، وأذكُر أنني حزنت كثيرًا، بل إننا حين غادرنا كنت غاضبًا.

أخذتني سنين حتى فهمت…

فهمت أن قوة المناضل الأيقونة سمير جعجع، وقوة البطريرك الأيقونة مار نصرلله بطرس صفير، هي في جوهرها واحدة، ثابتة، صلبة، ناضجة، وعميقة عمق تاريخنا في هذه الأرض.

ما قاله لي البطريرك يومها، وأنا ابن العشرين عامًا، حامي الرأس، هو كأنه يقول لي:

“تحضّر يا بُنيّ للمستقبل وبسلام، فحياتنا كلّها مواجهة في هذه البقعة من العالم، شهادة لقيمنا ومعتقداتنا: بالحرّية أولًا، والوعي ثانيًا، ومن بعدها كلّ شيء.

فالله، إن خلقنا على صورته ومثاله، إنّما بالحرية والوعي اللذين زرعهما فينا خلقنا…”

في 21 نيسان 2025،

للبطريرك صفير، في عليائه، منّي اعتذار…

لم أفهم صلابتك ورباطة جأشك يومها، وَلُمتُكَ في قلبي.

لم أفهم أن مردّ ضحكتك للسلام البطولي الذي اخترته أنت أسلوبًا لحياة نضالية مؤمنة وهادفة، كما كل أسلافنا.

فأنا على يقين أنّهم ناضلوا بفرح، تمامًا كما ناضل الحكيم أحد عشر عامًا وثلاثة أشهر وخمسة أيام، بسلام وبطولة، في زنزانة أشبه بالقبر.

فاعذرني، أبتي…

وللحكيم، من قلبي، ألف شكر،

أنك جسّدت بوقفتك تاريخ أسلافنا.

فواجهت كما واجهوا، لم تهرُب، لم تتواطأ، لم تُذعن، بل قاومت، وأيقظت فينا مساء ذلك الـ21 نيسان 1994 هذا الوجدان العملاق المنسوج في خلايانا، العاصف فينا حتى عمق أعماقنا.

ولأبنائي من بعدي، كما لكل أولادنا، احفظوا هذه القامات المناضلة الوطنية في ذاكرتكم، واجعلوها بوصلتكم.

وإن أردتم أن تقدّسوا شيئًا في هذه الفانية، فقدّسوا الحرّية، ومعها الوعي، وانسجوهما بخيوط المحبة والسلام والبطولة.

فمعلّمنا، الذي قام بالأمس منتصرًا على الموت، حرّرنا من الجهل والخوف، وأعطانا كل الأبدية.

ولا، ما عدنا شهودًا لذلك فقط، بل رُسُلًا،

كبطرس وبولس، وشربل ورفقا والحرديني، وبطاركتنا…

رُسُل، ولبناننا أرض الرسالة، ونبقى… في مواجهة مستمرّة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل