


انطلاقته ناهضًا بخشبة الملوك والقادة المدموغي الأكتاف والجباه بوسم الصلبان، لم ولن يكون توقيتها مرهونًا ومحصورًا بأوّل ساعات صعوده إلى الجمعة العظيمة، فامتداد تلك الساعة المهيبة خارجٌ كليًا عن محدودية الأزمنة الأرضية جميعها، هي ساعةٌ دقَّت في عين الآب منذ ما قبل إنشاء الدهور، مذ أراد أن يأتي اتِّصال الخالق بخليقته اتِّصالاً مباشرًا من دون رموزٍ وإشارات وغيبيّاتٍ وألواح وصايا وأصوات الرِّعدة والخوف.
ابن الإنسان قد أدركَ يوم آلامه قبل أن يطأ الأرض، فالآتي ممسوحًا كي يبشِّر المساكين ومنكسري القلوب بالحرية في معانيها القدسية وأهمها تماثل الإنسان بصورة وجه الله تماثلاً صهرَ الألوهة بالأبوّة، وها ابن الله الوحيد المولود إنسانًا يواكب بجسده أجيال الوجود الإنساني من أول آدم حتى آخر حوّاء، فرأيناه جسمًا مكشوفًا على قياس خشبتين، خشب مزود إبن العذراء، وخشبة نسَّقت بين رنَّة مسامير اليدين والرجلين وبين رنيم مزامير الأم الحزينة!!
“خيرٌ لواحدٍ أن يهلكَ عن الأمَّة”
أوَّل إشارات الهلاك كانت قبلةً غادرة صفعت خدَّ المعلم الضّحية بطبعةٍ ألَّفت أهمَّ معجمٍ من معاجم الخيانة العظمى. إنها ليلة التَّسليم والتَّسلُّم والإشارة شفاه مقزِّزة تلثم وجه المقبوض عليه، ويدُ القباحة تقبض فضَّةً كانت ثمنًا عسيرًا باهظًا لفعل ندامة قاحلةٍ من الاستغفار والرجاء، ولم يكن من كرسي اعترافٍ غير مشنقةٍ معقودة على غصن شجرة تين وكأنَّها ذات التينة التي سمسرت بها حيَّة الجنَّة وكشفت عري أم الأحياء!
وإنَّها مأساة التَّسليم والتَّسلُّم تُستعاد في زمن آخر بعيد ومكان أبعد، وهذه المَرَّة المريرة فعلت خديعة “السِّلم الأهليِّ الوطني” فعل الشفاه الأسخريوطيَّة نكثًا بالوعود ونقضًا للعهود وتفشيًا لوباء تعفُّن الذِّمم..
مساء تلك الجمعة ومساء ذلك الخميس تتشابه حراجة اللحظة الحاسمة كما تتناغم المناشدة الأخيرة في صيغة فعلين من أفعال الأمر يتماثل الفعل الثاني بالفعل الأول: “بطرس أردد سيفك إلى غمده، فمن أخذ بالسَّيف بالسَّيف يؤخذ “..
“شباب إجمعوا السلاح في غرفةٍ واحدة” ولا يتهوَّر رفيق منكم بطلقةٍ غير محسوبةٍ، فأنا ذاهبٌ عنكم كما هو مكتوب إلى حيث رأسي هو المطلوب”. “وشعرة واحدة لا تسقط من رؤوسنا إلا بإرادة أبينا الضّابط الكل”. رجائي من قلوبكم المتلوَّعة أن لا تزيد لوعة فراقنا، وفي عيونكم أحبسوا دموع الرجال الأشدّاء. فليطاردني المأمورون كيفما شاؤوا، وليلاحقني خصيان الوالي قدرَ ما يلهثوا، لكن إيَّاي وإياكم أن يطاردني ويطاردكم العار الأسود، عار الفارِّين الهاربين من رجولة المواجهة المحتومة إلى ارتجال خطاباتٍ لا تستحليها الجماهير الطَّائشة إلاَّ من أدبيات “عند تغيير الدول احفظ رأسكَ” حتَّى لو كان رأس صنمٍ ساحرٍ يستدرج عابديه إلى موطئ قدميه، وإنَّ رأسه طبلٌ يضجُّ وصنج يرِنّ!!
نيسان .. وحدة السَّاحتين
ساحة أورشليم وقبل عيد فصح موسى تزيَّنت بخبز وخمر: “خذوا كلوا هذا هو جسدي يُبذل لأجلكم، خذوا اشربوا هذا دمي يُراق لأجلكم ولأجل كثيرين”. ساحة المدينة المقدَّسة صبيحة تمَّ وصلها بهضبة الجلجلة تكدَّست وسطها وعلى جانبيها فِرق هجَّانة هي خليط حلف عسكريٍّ ظرفيٍّ هجين قوامه جنود رومان هيرودسيون تحرِّكهم أوامر فريسيَّة وصدُّوقية، وأخطر المطلوبين إلى عدالة الميزان المختَلِّ الحقوق الجانح الكَّفتين متَّهمٌ بالتَّجديف على الله بصفة مدَّعى عليه بانتحال صفة ابن الله ..
ظرف مكان آخر وفي غير ظرف زمان ها هي ساحة بلدة وادعة من بلدات وسط فتوح كسروان تُصاب غصبًا وأكراهًا ببلايا عسكرة مركَّبة من مواد “وحدة المسار والمصير”.. حصن مار يوحنا مارون المستمر لبنانيًا منذ ما قبل 1600 سنة محكومٌ على أبوابه بالتَّخلُّع وأبراجه بالتَّفكُّك وأسواره بالهدم والجَّرف. إنَّه جنون العاصفة القطرية الدكناء الرَّعناء وحرَّاس حصن الأمانة والأمة الآتين مع أبيهم وقائدهم يوحنا مارون قد تمَّ الحكم على إخراجهم وإبعادهم عن أمانتهم وأمتهم حتّى بالقوة والبطش والتنكيل، كما بجلباب قيافا ويوحنان ومراوغة البنطي وعرير أنصار برأبّاس وإصابة رؤساء الكهنة وأكثر الكهنة ببكمِ وخَرَس زكريا الكاهن..
أبناء بيعة ونافور مار يوحنا مارون قد فجَّروا كنيسةً من كنائسه فلا خلاص لهم ولا نجاة وتنظيم دورات تجنيد حضائر شهود الزور قائم على منصَّات بيع الضمائر بالمزادات العلنية والملفّات الاتهامية المطبوخة في رؤوس كالطَّناجر السوداء. فقد تعهدت نقلها من مطابخ السّموم والآفات فرقٌ من حمام زاجل هي أقرب شكلاً من غربان البَين وتصفيف الحيثيات عشوائيًا غايته حيثية واحدة منتقاة لوضع الأصفاد في يدي “ساكن غدراس”، لكنَّ مدبِّجي مذكرة جلبه لم يخطر على بالهم المصاب بالبلاء أنَّ حبسهم سيحوّله إبن قاديشا إلى محبسة يشاركه سكناها ألمع حبساء من أنسباء روحه وأرضه وقاديشاه، ومن أين للجلادين زملاء “عطية” أن يلمحوا داخل محبسة اليرزة طيف الحبيس يونان المتريتي الملائكي وسماوية محيّا الحبيس شربل مخلوف البقاعكفري ونورانية وجه الحبيس أنطونيوس شينا البقرقاشي!!
وتلاقيا أسيرًا وشهيدًا
إحدى وثلاثون سنة نيسانيَّة الحدثِ الأثيم والفجيعة المدويَّة مرَّت على خميس 21 نيسان 1994 مرور تذكار رجم إسطفانوس أوَّل الشهداء، وأيُّ عينٍ كعينه تمتلكُ دقَّة توصيف لقاء لم يكن في الحسبان قد تمَّ بين رفيقين أوَّلهما أسيرٌ والثاني شهيد.. في منتصف طريق الاضِّطهاد تلاقيا لقاءً استحقَّ شفاعة لقاء المصلوب بأمِّه الحزينة. جنودٌ مدجَّجون بأوامر سلاطين بني عنجر يصطفّون على قارعة الأحقاد والكراهية والثأر الدَّفين من الخارجين الدَّائمين على قانون منظومة “أمرك سيدنا”.. الرفيق الأسير الآتي من جهة شمال فتوح بلاد العاصيَّة كسروان مُتَّهمٌ بجريمةٍ سينمائيَّة مدبلجة مهمَّتها تغطيَّة قانونية لتركيب ملفٍ قانونيٍّ يغطِّي اتهامه بجريمته الأساسية، جريمة نبذه توزيرًا يضمه إلى مجلس وزاريٍّ تمَّ اختيار أعضائه من نماذج أبطال الأفلام الكرتونيّة… ومشى مستودِعًا كل تلك الدموع والشهقات ولطمِ الرؤوس مشيئة أبٍ هي كما في السماء كذلك على الأرض. ومشى ماسحًا عيون ووجوه وقلوب الأحبة والرفاق بصدق إيمان وعده: “شوف وجّكم بخير”..
ثاني الرَّفيقين اللذينَ اختارا الإلتزام بقضاء الفداء وقدره كان عائدًا للتوّ من حشرجة تسليم روحه فوق صليب “البلانكو بصرخته الأخيرة: “يا عضرا”.. طيلة مسافة بين مداخل غدراس وبين “باستيل” اليرزة شبيهة بتلك التي كانت بين بستان الزيتون وبستان صلبان الجلجلة. الطوبى لمن يكتشف في مجاهل حبوس التَّدجين حضارة المحابس ونضارة النور مرصِّعًا وجوه الحبساء، ونقيض التطويبات هو الويلُ كل الويل لمن ظنَّ أن الأيادي المُكبَّلة بالأصفاد هيَّ رهن أوامر أسياد سيَّدتهم أقبح الصُّدفِ وأشنعها.
إنَّها فوارقُ لا يجمعها جامعٌ أو طارح أو قاسم، كالفارق بين عنيدٍ موصوفٍ بعناد أقربائه الأرواح المتمردة، قد عاند والدين كبيرين في العمر والصلاة والصَّلابة. وعاند الحبيبة الوفية ولم تدبُل بعد أزهار عرسهما. وعاند رفاقًا هم الأغلى على قلبه تشارك وإياهم طيلة خمسة عشر سنة خبز المتاريس وملح الجبهات ودم البطولة ودمع أمهات الشهداء. عاند الجميع عنادًا أقرب إلى جنون الجرأة ومغامرة البسالة رافضًا نصائح منطقيّة تهوِّن عليه أحقيَّته بطلب اللجوء إلى أيَّة حماية محليَّة أو خارجيَّة تقيه إعصارًا سيدهمه قريبًا أين منه أعاصير المحيطات.. جميع تدبيجات أفعال التهوين وأكثرها بلاغةً وتأثيرًا لم تكن بالنسبة إليه إلاَّ قبوله الطَّوعيَ تلبية الدخول إلى حفلة الهوان!
عند منتصف الدَّرب المرصودة لمحاكم التَّفتيش وزنازين معتقلات “ملائكة الشرق وشياطينه” ومصانع التَّنكيل والتَّعذيب، التقيتما وجهًا لوجه من دون أن يرى وأحدكما وجه الثاني. رفيقكَ فوزي الرَّاسي يا حكيم الفائق الرجولة المتمتع بمواهب اختياره المواجهات الأخطر قد بادركَ بالبسمة الأبدية وتحية الأرواح وسلام العهد المطبوع طبعة العهد الجديد. إلتقاك فوزي وهو مُسجًى معتقلاً داخل نعشٍ حٌرِّمَ على لمسة “أم هاني” وهاني.. تحيط به فرقةٌ متدرِّبة على تطويق الجثامين وعمليات إلقاء القبض على جنانيز الشهداء.. روح فوزي فازت بخميس الغُسل الأقدس “لأولئك الآتين من الضّيق الشديد غاسلين حللهم بدم الحمل”، فأطلّت عليك يا حكيم وأشرقت من شبَّاك سماويٍّ مفتوح حتى يوم الدِّين والقيامة من شبَّاك طائر يحلِّق فوق برج سيدة لبنان، فلوَّح لك الفوزي تلويحَ مغبوطٍ حرٍ طليقٍ قد حرَّرته وأطلقت سراحه سلطانة الشهداء، ومن الفوقِ يا حكيم رآك داخلاً بطن حوت يونان النبي، فصلَّى على نيَّتكَ بخمس عشرة مسبحة أهداها له الخمسة عشر ألف طوباوي مرفوعين على مذابح دير سيدة ميفوق ومذابح صرح سيدة إيليج، كما فوق مذابح دير مار شليطا القطّارة عربونًا لنبؤةٍ تؤكِّد مجيء زمن ثالوث توأمةٍ مؤبَّدةٍ بين تلة قلعة القطَّارة وتلَّة قلعة حريصا وتلَّة قلعة معراب لمجد المفتوحة على أسمائهم ساحات الأقداس والقداديس!!
فصح ساحتين وصليبين وقيامتين
ساحة أورشليم الموصومة بعتيق أزمان” قتل الأنبياء ورجم المُرسلين” كم تشبَّهت فيها وتماثلت ساحة غدراس 21 نيسان 1994. هجَّانة قُطْريةٌ من الأرياف القُطْرية وهجّانة محليّة مِن محليّات التَّبعية، تحالفوا في منظومتي “وحدة المسار والمصير” و”شعب واحد في دولتين” محالفة عبدٍ لمولاه وحلفٍ بين شَرَهٍ فجعان وولي شراهته وفجَعِه وبطنِه وجيبه. ولاةٌ متفرّعون من والي الولاة السيِّد المطلق على إمارة المهاجرين، كان لهم عندنا وكلاءُ أشبه بالمهرِّجين تم تلزيمهم عمليات إستئصال زائدة الكرامة والسيادة والحرية، كما استئصال رحمِ ولادة مختلف ثورات الروح والعقل والإرادة في انتفاضات لا تهدأ ولا تستكين وترتعد على عبادة تماثيل الذل والإذلال والمذلَّة!!
قائد ثورة نسّاك 21 نيسان 1994
قد طال وسيطول سهرنا في سهرات جسمانية هذا الشرق. قد ساهرنا الرب المعلِّم طيلة 1600 سنة غابرة مرَّت كيومِ أمسٍ في عينِه السماوية، كما ستمرُّ 1600 سنة جديدة في عينه اللبنانية .قد تجدَّدت وستتجدَّد مواعيد مجيئنا مع أبينا يوحنا مارون، لا هو راحلٌ ولا نحن راحلون وخيام الرُّحلِّ لم يُنصبُ لها وتدٌ في عواصي جبالنا وهضابنا وروابينا وودياننا. نحن المتأبِّدون في السَّرمدِ اللبناني بمشيئة مالكه الأقدس، يكاد بقاؤنا في صمودنا المذهل يتحوَّل لدى جماعات الواقعية الجامدة وذوي الاختصاص في أرقام الإحصاءات الصّادمة إلى مجرَّد أكذوبةٍ وجوديَّة طال أمدها، لم يصدِّقوا يومًا ولن يصدِّقوا أننا نسكن كيانًا حدوده الأعجوبة. لم يؤمنوا يومًا ولن يؤمنوا بأنَّنا من أصل سكّان أعجوبة أزليَّة أبديّة حدَّدت لنا حدود الكيان في ذات المسافة بين مزود الولادة وصليب الفداء وقباب أجراس القيامة!!
حكيم
معك المُقاومة اللبنانية متسربلة بردائها الميرونيِّ المثلَّث المعمودية والطَّيب والنَّعمة، فلا ينزع عنها كأسيرةٍ تم اقتيادها سجينة جلباب فضفاض لا يليق بمَشقة قامة رماحها ورمَّاحتها!
معك قواتنا اللبنانية هانئة مغتبطة بمحابسها الزيتية المستشفعة شفاعة محبسة مار سركيس القطّارة وتلكَ المحابس المرتفعة متاريسَ فوق مرتَفع كنيسة سيدة شناطا الحارسة حدود حلتا وسائر الجوار المحرَّر والساهرة على شير الحرية في حَرَم جبل أرز تنورين!
مع يوحنا مارون أوَّل آباء مقاومينا اللبنانيين نسير من صرح وادي العاصي، إلى صرح وادي حربا، إلى صرح كفرحي، إلى صرح يانوح، إلى صرح إيليج، إلى صرح قنوبين. ومعك، نوقظ أجراس المعطى لهم مجد لبنان، وأجراس أخوةٍ ورفاق أعطوا من دون حساب كامل حياتهم للبنان، وصرح أجراس القيامة وغبطة الهتاف: “المسيح قام حقًا قام”!!
كتب ميشال يونس في”المسيرة” ـ العدد 1763
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]