
إنّ قداسة بابا السلام هي بالنسبة إلينا كمسيحيين أولًا، وكبشر ثانيًا مسألة لا تقبل النقاش، لأنّ هذا الانسان نجح، إذ ارتقى بإنسانيّة الإنسان إلى حدّ الألوهة التي وضعها الله على طريق حياته. ويُشهَدُ له بوثيقة الأخوة الإنسانية التي خطّها مع شيخ الأزهر الشريف. هذه الوثيقة التي أعادت أخوّة الإنسان مع أخيه الإنسان، ونزعت منه صفة الذئب المعروف بالوحش الذي يسعى لقتل أخيه؛ عملًا بتحقيق غنيمته على حساب وجودية أخيه الانسانيّة، ليحافظ على وجوده الذي يخلو من الأنسنة بعد تحقيقه بهذه الطرائق.
إن البابا فرنسيس، بابا الأخوة والسلام، نجح في سيرته البابوية بجمع البشرية حول قيم المحبة والأخوّة والسلام؛ واسترجع الاتصال الأخوي، لتضميد جرح البشرية النازف منذ زمن قايين وهابيل، الأخوين اللّذين قتلا الإنسانية في الإنسان المخلوق فيهما على صورة الخالق الإله كإله متأنسن. فسقطت منه صفة الله الطامح إلى اكتماله فيه، وصار الإنسان في أحلى حالاته يطمح إلى استعادة إنسانيته بأقصى حدّ.
هذا باختصار ما نجح البابا فرنسيس فيه، أي استرجاع إنسانيّة الإنسان المكلومة طيلة مسيرته البابوية، فهو الذي أعاد تكريس قيم السلام والإخاء الإنساني بعيدًا من الشوائب التي اعترت مسار هذا الإنسان، وزعزعت ثبات مصيره، فتقدّمت ثقافة الموت على ثقافة الحياة التي خلق ليحياها بكرامة وعزة ومحبة وسلام. حتّى صار التبشير بالموت والقتل باسم الله والدّين ثقافة تُنَشَّأ أجيال الغد عليها. فصار هذا الغد غدًا قاتمًا يشبه أصحاب هذه الثقافة.
الدّور الذي لعبه البابا فرنسيس في تثبيت ثقافة الحياة بكرامة هو الذي دحض فيه أعمال دعاة ثقافة الموت هذه. وبالتّالي أفشل مشروعهم في جُهَنَّميَّة الإنسان بعد إغراقه في عالم من الأدلجة المدلهمّة بالسواد. وأعاد إلى الانسان صفته الملكوتيّة عندما أرجع إلى العقل الانساني فكرة الملكوت السماوي الذي يبدأ بثقافة الحياة والأعمال الصالحة بين الإخوة بدءًا بهذا العالم الفاني حتّى الوصول إلى الميناء المرتقب في الملكوت السماوي.
وممّا يُشهد له أيضًا أنّ البابا القديس في مسيرته الحبريّة هذه نجح في عملية إسقاطه لتشيّؤ الإيمان المسيحي، وغرقه في عالم الرقمنة. هذا العالم الذي بات الإنسان فيه مجرد رقم، فاق بأهميّته أهميّة الذات الإنسانية العظمى التي أرادها الخالق له في جسم ترابيٍّ ساقط. هذا ما تجلّى بموجات إيمانيّة في بلدان كان يشهد بإلحادها وشيوعيّتها عبر التّاريخ، إن في أوروبا كفرنسا مثلًا، وإن في آسيا كالصين مثلًا.
زد على ذلك برزت موجة من الانحطاط الأخلاقي، حاول البابا فرنسيس أن يقطف منها ما تبقى من إنسانية لهذا الإنسان المسلوخ عن الانسان الذي فيه بأخلاقه المفقودة؛ لكنه لم يسلم من براثن الانتقاد التي لسعته كعقارب الغابات. لكنّ البابا فرنسيس لم يستسلم في مسيرته الإنسانية الأخوية هذه، بل تابع نضاله حتى الرمق الأخير؛ وهو الذي نجح بتحقيق العبور الإنساني من الخطيئة والشهوة والموت إلى الحياة والاتّحاد الإلهي – الانساني، حيث صار الإنسان معه أخًا للإنسان من جديد، وعاد فتصالح أولا مع إنسانيّته، حتى عدنا نسمع لغة السلام أكثر من لغة الحرب. مع العلم أنّ الحروب بقيت كثيرة في عالمنا، لكن ثقافة السلام والحياة والمحبة عادت لتتصدّر أحاديث المفكرين وكتاباتهم. فضلًا عن تحوّل هذه الثقافة إلى مشاريع لرؤساء الدّول وأهم قادة في العالم. كذلك الإيمان الذي نجح بإعادة القارة العجوز إليه، حيث غصّت الكنائس فيها وعادت تضج بالمؤمنين بعد استحالتها إلى متاحف للسواح من البلدان كلّها، ليتفرجّوا فقط على جماليّاتها الفنية، من دون أن يشعروا بتلك الرّهبة الايمانيّة.
نعم هذا هو البابا فرنسيس الذي تعلمنا معه كيف نواجه البغض بالمحبة، والحرب بالسلام، والتنابذ بالتوافق، والتناشز بالوئام. هذه مسيرة جديدة للبشريّة جمعاء. ستستمر بعد رحيله. لأنّه نجح بإرساء نهج جديد لاستمرارية الحياة الإنسانية على قواعد احترام قيم السلام. فَشُهِدَ له حقًّا بأنّه “رجل السلام” في عالم يضجّ بالحروب. هذا الرجل الذي سيكتب التاريخ كيف علم الأجيال أن تحب بعضها بعضًا، وكيف تكون الدول صانعة خير شعوبها، وسلامها، واستقرارها.
سيبقى البابا فرنسيس في ذاكرة الأجيال لأنّه نجح بالحديث معها بلغتها هي نفسها، لا بل أكثر من ذلك بكثير، لقد صنع لغة من الإيمان والتسامح والمحبة والأخوّة تصلح حتى انقضاء الدهر. لكن علينا كبشر أن نتعلم فنون هذه اللغة التي لن ننجح بإتقانها إلا إذا اعترفنا باختلافنا بعضنا عن بعض، بتآخٍ بعضنا مع بعض، هكذا نبني عالم المستقبل. عالم البابا فرنسيس الذي سعى إلى بنائه طيلة حياته الحبريّة.
وتبقى الإشكالية الكبرى في قدرتنا على الاستمرار في السير على هذا النهج الذي رسمه لنا البابا القديس. والأكثر من ذلك كلّه، في الحفاظ على رؤيته الإنسانية، نحو استعادة مسار الإنسان الاجتماعي الذي يصبو عبره إلى الله ليحقّ مشروعه الخلاصي للبشر الذين خلقهم، وخسروا نعمه بغرقهم في لججهم غير الانسانيّة. فهل سنستطيع كبشر أن نتنازل عن كبريائنا المدمر؟ هل نقدر أن نتحلّى بالتواضع الفرنسيسيّ حتى ننزع عن إنساننا برقع الخطيئة والبغض والحرب والكره ليرى تلك الحقيقة المجرّدة التي حارب بها البابا فرنسيس الشرير الرابض فينا؟
هذه هي طريق خلاصنا. إمّا أن نكون فرنسيسيّين بالرّوح، أو لن نكون على المسار الصحيح للإنسانيّة الذي نجح بتصويبه البابا فرنسيس. فهل نجرؤ فرنسيسيًّا حيث لم يجرؤ الآخرون حتّى إنسانيًّا؟