.jpg)
تركيز “القوات اللبنانية”، منذ نشأتها، على المواجهة السيادية لا يعني إهمالها قضايا أخرى لها أهميتها وأولويتها، ولكن السيادة هي حجر الزاوية لبناء المنزل اللبناني، ومن دونها سيتواصل دوران البلد في حلقة الموت والحروب والفوضى. صبرت “القوات اللبنانية” كثيرًا وانتصرت أخيرًا على المشروع الإقليمي الثالث الذي صادر قرار الدولة واستباح السيادة وحوّل حياة اللبنانيين إلى جحيم، وعلى رغم أن هذا المشروع لم ينته بشكل كامل بعد، إلا انه فقد عناصر قوته المحلية والإقليمية، فلا هو قادر على التحكُّم بدور الدولة، ولا الإمساك بالحدود، ولا بقلب الطاولة مجددًا، ولم يعد من خيار أمامه سوى التأقلم مع المعطيات الجديدة محليًا وإقليميًا.
لا يوجد في الأفق أي مشروع إقليمي يمكن أن يهدِّد استقرار لبنان مجددًا، خلافا لما كان عليه الوضع سابقاً، حيث تقاطعت ثلاثة مشاريع كبرى (فلسطينية وسورية وإيرانية) على هزّ الاستقرار اللبناني، ولا بل هناك إرادة دولية بإقفال الساحة اللبنانية كمنصة عدم استقرار في المنطقة، خصوصًا بعد وصول المجتمع الدولي إلى قناعة بخطورة هذه الساحة بسبب أقدميتها وتداخلها مع ساحات أخرى، ولكنه لم يكن في وارد دفع كلفة إقفالها لو لم تتكفّل “حرب الطوفان” بذلك، وبالتالي لن يتساهل مع محاولات إعادة فتحها، ويضع كل ثقله لتحصين الوضع اللبناني.
وبمعزل عن الضجيج الذي ما زال يحدثه “الحزب” عن سلاحه وما يُسمّى مقاومته، فإنه مجرّد ضجيج من دون فعالية ولا مضمون، لأن دوره المسلّح انتهى، والدور الإيراني الخارجي انتهى، وقد تتعدّد أشكال الموت، إلا ان النتيجة واحدة بين سقوط نظام الأسد وأفول دور الأذرع الإيرانية برمتها، والمسألة تتعلّق بالوقت الذي ستستغرقه عملية هضم الحزب لوضعه الجديد، خصوصًا أن سرديته كلها ارتكزت على ما يُسمّى المقاومة.
وليس تفصيلاً أن تصمد “القوات اللبنانية” في مواجهة هذه المشاريع الإقليمية الكبرى، ولولا مواجهتها ونضالها وصمودها لكانت الأمور اتخذت مسارًا مختلفاً، لأن التغيير لا يتحقّق من الخارج حصرًا، إنما هناك إرادة محلية أساسية في قيادة هذا التغيير، وقد بقي بشار الأسد في السلطة سنوات على رغم غياب وزنه وتأثيره بسبب غياب البديل عنه، ولن تتمكّن واشنطن من التخلُّص من الحوثيين إلا بعد إضعافهم وبروز البديل اليمني القادر على تحمُّل المسؤولية، وبالتالي استفادة الداخل، الذي يريد دولة فعلية، من تطوّرات الخارج أساسي جدًا ومن دونه لا تغيير حقيقيًا، ولكن بعد أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه مع إنهاء الدور المسلّح لـ”الحزب”، فإن تركيز “القوات” سيكون على أربعة مستويات أساسية:
المستوى الأول، تحصين السيادة من خلال تعزيز دور الدولة الداخلي والخارجي على حد سواء، فما تحقّق يجب تحصينه منعًا لتكرار سقوط الدولة التي يسقط معها كل شيء، فلا سلاح خارجها، ولا قوة داخلية أقوى منها، ولا انقسامات قادرة على تعطيل دورها السيادي في ضبط الحدود واحتكار القوة، وأي خلاف يبقى تحت سقف الدولة، وما حصل في عامي 1958 و1975 من خلال تسلُّل الخارج عن طريق انقسام الداخل من غير المسموح تكراره، ومن الواجب اتخاذ الإجراءات كلها لمنع شلّ دور الدولة السيادي، خصوصًا بعد النكبة التي ألمّت بلبنان وشعبه.
المستوى الثاني، تحصين التمثيل السياسي، فلا يبقى عرضة للابتزاز والتخويف والتهويل بالتغيير، فبعد أكثر من مئة عام على لبنان الكبير من الخطيئة مواصلة السعي لهيمنة طائفة على طوائف أخرى، إنما من الضروري أن تشعر الطوائف كلها بأن وجودها ليس مهددًا لا بتغيير دور لبنان، ولا بضرب تعدديته، لأن القلق على الوجود والمصير يُبقي النار تحت الرماد، كما أن السعي للهيمنة يُبقي الوضع في حالة عدم استقرار، وعلى كل عاقل أن يسأل نفسه لماذا بند الطائفية الموقت بقي موقتا؟ والسبب مرده طبعًا إلى الشعور بأن الهدف من إلغاء الطائفية تغيير طبيعة لبنان وهويته ودوره وتركيبته، وما لم يتحقّق بعد قرن من الزمن يجب إعادة النظر به، وإلا كان تحقّق!
إن شلّ دور الدولة بدأ عن طريق الجماعات التي وجدت في المشاريع الخارجية فرصة لتغيير النظام، وهذا ما يجب وضع حد نهائي له إن من خلال إبقاء دور الدولة السيادي ما فوق النزاعات والانقسامات والخلافات، فتبطش بلا هوادة كل ما يهدِّد هذه السيادة، أو عبر التفاهمات التي تحفظ حقوق الجماعات وتمثيلها بعيدًا عن الغبن والإجحاف والقلق على المستقبل، أو عن طريق الإقرار بتعددية المجتمع اللبناني كغنى فعلي لا شكلي، والتسليم بأن انبثاق السلطة يجب أن يشكل انعكاسًا حقيقيًا لهذا التعدُّد بمعزل عن العدد، وأي اعتراض هو اعتراض على الفكرة اللبنانية، ويستدعي إعادة النقاش الهادئ بعيدًا عن محاولات إخضاع جماعة لجماعات أخرى بقوة السلاح أو العدد في عملية انقلابية على طبيعة المجتمع اللبناني.
المستوى الثالث، تحصين الوعي السياسي بوصول جميع اللبنانيين إلى قناعة بأن النضال من أجل حياة أفضل هو الهدف الإنساني والكوني وليس التقاتل الذي يؤدي إلى تعاستهم ونكبتهم، كما القناعة بأن الخلافات مهما كبرت لا يجب أن تؤدي إلى الحرب، إنما تنظيمها تحت سقف الدولة والدستور والمؤسسات هو الواجب، خصوصًا أن تجربة نصف قرن أكثر من كافية لفعل المستحيل حفاظاً على الاستقرار وسعيًا للازدهار.
وقد عانت “القوات اللبنانية” داخل البيئة المسيحية من حالة أدت إلى حجب الرؤية الوطنية لدى المسيحيين، وليس المقصود إطلاقا ضرب التعدُد المسيحي الذي يشكّل مصدر غنى، إنما المقصود أن تكون أولويات هذا التعدُّد المبدئية والدولتية والميثاقية والقيمية واحدة، وأسوأ حقبة في تاريخهم كانت في انقسامهم حول قضايا يجب أن تكون في خانة الثوابت والمسلّمات لديهم، وقد استلزم الأمر سنوات وسنوات حتى تمكنّت “القوات” من نشر الوعي وإسقاط التضليل وتوحيد الرؤى.
المستوى الرابع، تحصين الدولة بتحقيق ثلاثية المساواة بين المواطنين والمناطق والتي لا يمكن أن تتحقّق سوى من خلال نظام لامركزي، المساءلة والمحاسبة، فلا أحد فوق القانون مهما علا شأنه، وإدخال النخبة في صلب الإدارة على قاعدة اختيار الأكفأ وفقا لآليات شفافة، والهدف من ذلك إشعار المواطن أن الدولة ليست مكاناً للعاطلين عن العمل، إنما مساحة منافسة بين من هم الأكفأ والأجدر، وأن الدولة هي الأحرص على جذب الكفاءات لا تهشيلها.
وبعد تحقيق “القوات اللبنانية” للهدف السيادي الذي من دونه لا يمكن حصر الجهود ولا التفكير ولا النضال خارج سقفي المواجهة والصمود حفاظاً على الوجود والهوية والمصير، انتقلت إلى العمل التحصيني للسيادة والدولة والتمثيل الفعلي والوعي المجتمعي، لأن أي إنجاز لا يحصّن يكون معرّضًا للسقوط، والدول كأي شيء في الحياة في حاجة لصيانة وتطوير وتحديث بشكل دائم ومستمر، وأكبر خطأ أو خطيئة النوم على حرير ما يتحقّق أو تحقّق، إنما من الواجب السهر دائمًا على صيانته وتحصينه وتطويره، خصوصًا أن حركة التاريخ تسير في دينامية تصاعدية، ومن يربح هو القادر على مواكبتها، ومن يخسر هو من يجمِّد هذه الحركة أو يحاول إعادتها إلى الوراء.
شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”
كتب شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1673
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]