#dfp #adsense

السادس والسبعون.. جبَّتُكَ جبهةٌ لثوّار الأرز

حجم الخط

فجر الأحد 12 نوَّار خفتت أنفاسه كآخر بصَّةِ نور في سراج الحبيس. النِّزاع يلوَّن وجهه بأصفر الشمع العسلي، وغبطة المنازع يقترب من ما أعلنه المعلِّم: “ها قد أتت الساعة التي سيتمجَّد فيها إبن البشر”. الموعد المحتوم يتقدَّم والثواني والدقائق تتهيَّب، لهاثه المتقطِّع نغمٌ لترنيمه الأخير: “خذ هذا القربان من يديَّ وارضَ عني”. ولبنان بعد جسد الربِّ كان ثاني قرابينه. عيناه سفران من أسفار الرؤيا تنجذبان صعودًا إلى الدَّهشة الأزلية حيث سيرى ما لم ترَ مثله عين. مناداة تسليم الروح للآب تنتقل من شفاه الإبن الملتهبة بمزيج الخلِّ والمر إلى شفاه الأب الوحيد لرعيلٍ سياديٍّ أذاقوه الأمرَّ من الحنظل..

شفاه المعلم والتلميذ الجليل تتوحدان في إعلان تنفيذ المشيئة: “يا أبتِ قد تمَّ كل شيء”، وأجواق من ملائكة التشريفات السَّماوية تصدح في أرجاء لبنان: “نِتفتحون تَرعَيك أنطوكيو دَلعِل”،”لتنفتح أبوابكِ يا أنطاكيا العليا. أبون نصرالله لبنان صفير إلى السَّماء أمانتكَ وفوق أسوار الشمس طابيَّتك “!!

 

السَّادس والسَّبعون

رقمٌ بطرسيّ أنطاكيّ، كم كان ليوحنا مارون حافزًا لتجديد مقاصد مجيئه من بلده “سروم” الأنطاكيّة كي تكون له وادي حربا مدخلاً إلى بناء أول هياكل مجد لبنان ابتداءً من كفرحي ولا انتهاءً في بكركي. مَن مِن أصل رعايا مملكة البيعة المارونية لم يتأكَّد له أنَّ ترقيم السَّادس والسَّبعين قد ترقَّم بيد الروح القدس قبل أن ينتقل إلى أيدي الأساقفة المقترعين، وإنَّ كل مرَّة تلتبس فيها خيارات الروح العظمى على محدودية الاختيار البشري وأنانيَّته وسطحيته وعنجهيته، فإنَّ المالك لأبد الدهور لا يتوانى عن إغلاق مملكته المنزَّهة عن الدنيويات بوجه من يطرقون أبوابها بأيدي المتشبِّثين بأول الصفوف، المهووسين بصدور المجامع، الجانحين إلى غوايات المناصب، الجامحين إلى شتَّى مخازي الشهرة حتى أرخصها!

بما أنَّه لكلِّ صليبٍ كتفُه، فإنَّ حرب الغرباء على وطن الرب قد ثقُلَت على أكتاف البطريرك الماروني أنطونيوس خريش وهو من عين إبل الفرسان والشجعان وصناديد الشهداء. فقد مارس الفروسية والشهامة الأبوية وزهد النساك طالبًا إعفاءه من مهامه البطريركية ضنينًا بأن لا تقع وزنة واحدة من التي تملأ يديه قاصدًا الخلوة روحيًا في ذات البريّة التي اختلى فيها يسوع طيلة أربعين يومًا، ومَن غير المجرِّب الرجيم يتقن فنون غواية التشبُّث باعتلاء الكراسي حتَّى ولو أصبحت هزَّازة تعرِّض أساسات الرعية للاهتزاز ووقوع المحظور!

بحلول الجزء الثاني من شهر نيسان عام 1986 انعقد المجمع الأسقفي الانتخابي العام لمجلس المطارنة الموارنة برئاسة المدبّر الرسولي البطريركي إبراهيم الحلو مطران أبرشية صيدا المارونية. دورات الاقتراع المتتالية كانت أكثر من منافسةٍ أخوية والمواجهة الأساسية محصورة بين مطرانين قطبين إسميهما يتصدَّران طليعة أسماء الأقوياء..  نافذة قاعة الحَسم الانتخابي البطريركي إلهامات بعضها من غير مصادر الروح الروح القدس.. الصندوق في دورانٍ ودوار، وأوراقه بين اقتراع وفرزٍ وحريق، والنتيجة هي هي تعداد الأصوات على المنخار.. إلى أن شهد سبت 19 نيسان 1986 على دخّان أبيض متصاعدٍ بمفاجأة مدويَّة لم تأتي لصالح المرَشَّحين الأقوى، إنما أتت من وحي ما قاله المعلمُّ عن “أنَّ الرب اختار ضعفاء العالم خزيًا للأقوياء”…

جرس بكركي الكبير يبث عبر أثير موجات روح الحكمة والمشورة الصالحة انتخاب مرشَّح “فَضَّة المشكل” النائب البطريركي العام المطران نصرالله صفير بطريركًا على كرسي أنطاكيا وسائر المشرق وخليفة البطريرك الأول يوحنا مارون السَّادس والسَّبعون. البطريرك المنتخَب ومن على مذبح المسؤولية القيادية المهيبة يخاطب أخوته ببلاغة سهلٍ ممتنع من سهول ريح العنصرة وروحها: “قد انتخبتموني وأنا لست بأعلمكم، ولا بألمعكم، ولا بأوجهكم، لكنها إرادة الله”!!

 

وأين يقع هذا قصر المهاجرين؟

سؤالك يا كبير المؤتَمَنين على القطيع الصَّغير، قد استلهمته من جواب الرَّب لمراسيل الملك الطَّاغيَّة: “اذهبوا وقولوا لهذا الثَّعلب” فهيرودس لم يكن في عين يسوع ابن الإنسان إلاَّ ثعلبًا يطارد الدَّجاج وسائر الأجنحة المتكسِّرة. إنَّ العالمين بموقع قصر المهاجرين يا بطركنا العظيم هم فرق المهاجرين من لبنانيتهم وكيانيَّتهم وأصيل انتمائهم، كما المهاجرين من بقايا كرامتهم وما تعفَّرَ معهم من مواطنةٍ وأخلاق وشرف.. إنَّ الأدرى بمسارب أبواب قصر المهاجرين الأمامية والخلفية هم فصائل المهرِّجين في كلِّ دورة تعليب نيابية، وعند كلِّ فصلٍ من فصول توضيب أسماء الاستيزار الذَّليل والتوزير الهابط المبهبط.. .

وأمَّا نحن أيها الآتي إلى الصَّخرة البطرسية من الصَّخر الريفوني نعاهدك الصمود في حصن آية: “ونحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف طيلة مئات السنين من عهود الظُّلم والظَّلام كي تبقى لنا الحرية”… هي مغاور وكهوف لولاها لكانت رؤوسنا تساوت بأخمص أقدامنا، وأرجلنا ما كانت تسير بنا إلاَّ حجَّابًا نستعطي الوقوف كالعواميد عند أبواب القصور، وقصور شرق ذلك الزمان المقيت ما كانت تُبيح التَّزلُّم لها إلاَّ لرجال من أشباه الحطب.. تلك المغاور والكهوف ما أقدس اسمها وما أرحب السَّكن في ملكوتها، طيلة مئات السنين عشنا في ظلِّ حمايتها وبشفاعتها اكتنزنا واغتنينا فاستغنينا عن باعة وتجّار أسواق بيع الحمايات شرقًا وغربًا وكان الرب معنا نهارًا، وليلاً كان الرب معن!!

 

لبنان مجدٌ لا يحمل في الجيوب

يا واضع نصوص سفر الخروج، خروجنا نحن من داوئر تقديم طلبات الهجرة الدّائمة، إنَّك العالم المعلِّم الأدرى بأن ذروة النَّكبات قد حلَّت على الميتولوجيا المارونية منذ هجرت مملكتها المقدَّسة المحصَّنة بالشقاء والأشواق وخبزٍ لا يؤكل إلاَّ بعرق الجبين. جردها يهاجر إلى سواحل كان التَّطبيع معها تطبيعًا عشوائيًا حوَّل تراب أرض الآباء والأجداد إلى أرصدة مصرفيّة أغوت الأبناء والأحفاد بودائع وفوائد “القرش الفايش” فتفشَّت عبادة “الرَّبين” ومن سيعيد أبناء تاهوا في مجاهل الثروات الفاحشة وتوغَّلوا في حضارة الفحش، وأين أنتِ يا كنائس جايلت جدرانها الفقيرة نذر فقر فلس الأرملة فإنَّ الكاتدرائيات الملزومة الملتزمة ببلاطة تحفر أسماء “المحسنين الكرام” وتُظهِّر حجم ثراوتٍ يدَّعون أنها “مِن فضل ربِّهم”. هذه المتاحف المشكولة بالكنائيسة شكلاً قد أنهكت بمضمونها المتزخرف رأس الذي ليس له حجر يسند إليه رأسه.. لبنان الأمَّة المتسربلة بإسكيم راهب قورش لا يحتمل إلاَّ تقادم الفقراء البسطاء الأنقياء وصروح كفرحي ويانوح وإيليج وقنوبين المزدهرة العامرة بكنوز الزُّهد والزاهدين لا تتقبّل طبيعتها وطبائعها أن لا يكون لمدفن أليعازر المعدم رقم، في حين أن ذلك الغني مزوَّد برقيمٍ قد سخرَ “فاحص القلوب والكِلى بمعظم ما فيه”!!

 

أربعاء الخوري يوسف طوق

الصَّرح الأنطاكيّ الماروني عهد هامة الأب المغبوط نصرالله صفير انطلقت مكانتُه إلى مناطق دائمة في أرض الإنجيل وأماكن صروح أسلافٍ وزنت أياديهم وزنة المسامير، فمال صلبهم على مطارق صالبيهم فأذابها. ها هو المُرسل شعاع نوره من السَّماء يخترق المسافات ويختزل الأمكنة، وحبيس الحبرية لا يفصل حبة بخور عن أختها إلاَّ إذا استدعى الروح القدوس واستشاره، وليس غير الروح يجول في مسرى الزمن والأحداث كيفما شاء وأينما شاء يضيء وجوه الذين على يدهم ترعرع التاريخ، وفي ملابسهم كان للسماء لباسها وأصواتهم تعصف عصف الضيّاء في حالك الظلام، وعصف الحق في ستارات مسرحيات الأباطيل.

مار نصرالله بطرس يسوِّر بكركي ببرية يوحنا المعمدان ورمح دانيال الحدشيتي ونار جبرائيل حجولا، فأنجده السيِّد الرب بكاهن طوقيّ من أصول جبل أرز الرب حنجرته توأم حنجرة المعمدان، وذراعه ذراع الحدشيتي، واستبساله استبسال الحجولاوي، “وإن ننسَ فلن ننسى” وجه الخوري يوسف طوق، وطلَّة الخوري يوسف طوق، وعبسة الخوري يوسف طوق، ولفظة الخوري يوسف طوق، ووهرة الخوري يوسف طوق!

أوَّل أربعاء الشَّهر من سنوات تسعينات الظلم والظلام كان يحلّ كابوسًا على قبيلة الهيرودسيين ويصدمهم صدم الريح للبناء المبني على رمل. أربعاء قراءة بيان بكركي بتلك اللهجة البشراوية القاطعة، كم أنزل الفزع بذلك الطاقم المتحكِّم بما سمح له القابضون على رباطه والمعروف يوم ذاك بحكم “الفزَّيعات”… إنها فزيعات جَمَعَ والي قصر المهاجرين كرتونها وقماشها وعلَّق كل فزَّيعة على قصبة موزِّعًا القصبات على دوائر الدولة اللبنانية وإدارتها و”خيّال الكروم” أنتَ والثعالب تقاسما الفرافيط.. أكثر من أصابه يوم الأربعاء بهزة الحيط والبدن كان كبير القبيلة الحاكمة الهراري حين كان ينتظر اللطمة المَبينة وبين شفتيه المرتجفتين جملة واحدة: “الله يسترنا من عبسة الخوري إبن طوق”.. ولهجة أمين سر البطريركية الخوري البشراوي ذات النَّتعة المُحكمة تحوِّل بيان بكركي الشهري إنذارًا من أقسى إنذارات يوحنا السَّابق: “أيها الحيَّات أبناء الأفاعي من ذا الذي دلَّكم على الهرب من الغضب الآتي”.

البيان الشهري لمجلس البطاركة الموارنة بلفظ الخوري ابن طوق كنَّا نسمعه هزيزًا روحيًا في ليالي سجدات نسَّاك القورشية، ونصغي إليه هديرًا يترنم به نبع مار مارون العاصي، ونخشع لمجاهرة أسلافٍ جاهروا بأنَّ ملابسهم البطريركية لم يسلبها أحد منهم كما سلبها الصَّليب والمصلوب كما سلبت وديعة الإيمان أمان شعبهم وأمنه وراحة باله!!

 

أبانا مار نصرالله قاديشا صفير

إن كانت الأيام تتوالى علينا على ذات بؤسها، فنحن ما زلنا على عهد بأسكَ الأبوي الحبرويّ القيادي. بأسٌ بشكيمة الصامد بذراعيه مرفوعًا بين تلبُّد الغيمِ ومطر عيون أمه الحزينة. نحن ما زلنا على عهد فأسكَ الموضوعة عند جزع الشجرة المتكاسلة في امتحان الثمار الصّالحة.. مواعظكَ في كل عنصرة أحد لم نسمعها منك إلاّ سفر رؤيا خاصّا بنا، رؤيانا المعلّم يقتحم صحن الهيكل ومجلده على رؤوس وظهور وأقفية باعة تقوى الأتقياء، وسماسرة نقاوة الأنقياء وصيارفة صلوات البسطاء مِن مرائين وكشَّاشي حمامٍ وغربان. ومن غيرك يا أبانا القائم فينا قد أفهمنا فهم اليقين والإثبات بأن الزَّوايا تستقيم في ركنها ولا تتدور وإلاَّ فالبنيان المرتفع من الروح إلى الروح الممتد من الإيمان إلى الرجاء مصيره التصدُّع وعاقبته السقوط سقوطًا عظيمًا!

أنت الذي لم ترضَ الذَّهاب إلى عاصمة القديس يوحنا الدِّمشقي إلاَّ ورعيتكَ معك لا نرى فيك إلا يوحنا الحبيب والصوت الآتي من جميع صلبان الشرق يوصّيك بنا!

رؤوسنا وأجسادنا خاشعة حتى آخر اشتياق وحنين، منحنية تحت يمين بركتك الأبوية، فباركنا يا أبانا باسم الآب والإبن والروح القدس حتى اللامنتهى!!!

 

كتب ميشال يونس في “المسيرة” ـ العدد 1764

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل