



لأجل مغارته، كانت لنا المغاور كونًا وكيانًا، اعتصمنا فيها فعصمتنا من كل ارتباطٍ مأزوم وكل التزام مهزوم، فانشدَّينا إلى كل هذا البأس في مناداة يوحنا المعمدان: “ماذا جئتم تنظرون، أًرّجلاً يلبس ثيابًا ناعمة، إنَّ الذين عليهم اللباس الناعم يسكنون القصور”!!
هذا الرئيس وذاك الرئيس
حزيران 1860 فتح رئيس دير سيدة ميفوق الأب أفرام جعجع البشراوي أبواب ديره لجبل الجلجلة المسيحانية المطرودة من جبل أهل الكيان اللبناني والمطارَدة بالنَّحرِ والحرقِ والسَّحل والأحقاد الغبيَّة والجهالة الفالتة من جميع روابط العقل وبقايا صفات البشر، والأفعى العثمانية تنفثُ زعافها بين مناطق تجايل فيها مارونها بمعروفها منذ 1200 عام، فكان بينهم خبزٌ من ذات الطَّحين والحنطة، وكان بينهم نارٌ واحدة لا توقَد إلاَّ داخل تنّور يجمع أيادي هلِّ أرغفةٍ كل رغيفٍ كان هويَّة لا مذهب لها إلاَّ الأرض والعرض وسلام الأهل على الأهل، وليس مثل دير سيدة ميفوق ورئيسه الأب أفرام جعجع أدركا بأنَّ القاتلَ قد سفكَ دمه بيده وهل قايين فعل غير ذلك؟!
حزيران عام 1978 فتح رئيس دير سيدة ميفوق الأب الياس العنداري الأبواب الديرية بذات مفتاح حزيران 1860، لكن هذه المرَّة على وقع موَّال: “ليالي الشمال الحزينة”.. ثوَّار الشمال بقيادة قائدهم سمير جعجع يصلون إلى الدير ومعهم أهالي البيوت المقفلة لوعةً على مَن كبَّدتهم نقاوة انتمائهم اللبناني أفدح الأثمان ودروب التهجير المرير المديد تفتتحها مجنزرات “الأسد إلى الأبد”، والرَّدع الأخوي ليس له مثيل في تنفيذ استراتيجية اقتلاع التواريخ من جذورها وجرف المجتمع العائلي بكل عاداته وتقاليده وأنماط عيشه، وتفكيك المكان عن المكان وقطع الزمان من الزمان. فالمصير يصفر صافرة قطار سفر برلِك والمسار مسمار “عفلقيٌ” يسمِّر الأيادي المدموغة بحمل بيارق الأرز، وأرز الرب قد أفتى بتكفيره آلهة البعث!!
دير ميفوق ولقاء راهبين وزمنين
المتتبِّعون المتعمِّقون المؤمنون برموز وآيات الذي مشيئته سماء وأرض هم وحدهم استوعبوا مشيئةً ثلاثية الأهداف والأبعاد والنتائج جمعت رئيس دير سيدة ميفوق حزيران 1978 الأب الياس العنداري برئيس دير سيدة ميفوق 1960 الأب أفرام جعجع. وهل كان سمير فريد ملحم جعجع هو الشَّاهد على الوديعة الوجيعة التي ألهبت يدي أفرام بشري كما يدي الياس كفور العربي، وهل من دير سيدة ميفوق بالذات حمل الشيف سمير جواز سفر الشهداء مختومًا بثاقب رؤيا راهب عقله وقلبه وعمره؟!
الراهب الياس العنداري
على إيقاع تلاوة والديه عقيدة “نورٍ من نور وإله حق من إله حق” انفتحت عينا ألياسهما على نور شمس كفور العربي وكواكبها، فاحتفت به ضيعته الرَّاكنة في فردوسيات جردها البتروني مستعينةً بإنجيلها ومستعيرة منه خشوع السؤال: “من يكون هذا الصبيّ”، وكأنَّ ولادته تسوَّرت بالرهبانيات منذ لحظتها الأولى فكان دير مار أنطونيوس حوب حدَّه الشرقي، ودير سيدة النجاة بصّا حدوده الشمال، ودير مار يعقوب دوما يحدُّ جنوبه، ودير مار قبريانوس ويوستينا كفيفان غربًا، فامتلك مسافات دعوته الرهبانية من أربعِ جهَّاتها الديرية البترونية المعروفة بقضاء القديسين كما عرِفت ببلاد مار يوحنا مارون.
الراهب العنداري لم يكن مجرَّد ملبٍّ لدعوة رهيفة الشعور دقيقة الالتزام، هو مِن قلَّة رهبانيَّة فرضت نفسها على الرب فرضًا، جديرًا باستيعابه نداء: “تعالوا إلي يا ثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”. أحمال الراهب الصَّعب المَراس كانت صليبًا خصيب النمو تفرَّعت منه صلبان مجملها كان كتومًا حينما الأسرار تكوي والخفايا تُدمي والمستورات تعضُّ على عشرات الجِّراح، والراهب المشبوه بانحياز إسكيمه الرهباني الأسود إلى الأساكيم الزيتية كان حاضرًا مقدامًا متماسكًا عالمًا بعاقبة إصراره على رفضه الوقوف على الحياد في المعركة الدائمة الواقعة بين يوحنا المعمدان وهيرودس، كما بين دانيال الحدشيتي وقلاوون المملوكي.. وما أصاب أب عام رهبان المقاومة اللبنانية أفرام جعجع الحليف الأبرز لقائد المقاومة اللبنانية يوسف كرم زمن القرن التاسع عشر في مقاومة ومناهضة ومعاندة سلاطين بني عثمان قد لحق ولو بطرقٍ وأساليب مبتكرة الأب الياس العنداري الحاضن والمرشد لقائد المقاومة اللبنانية زمن القرن الواحد والعشرين سمير جعجع، فكان العنداري بعد مار شليطا الأيقونة الثانية لدير القطّارة!!
بع عباءتك واشتر سيفًا وسيادة
سيف راهب لبنان في إنجيله اللبناني يتخطَّى صلاحيَّة سيف بطرس ليلة دخل الشيطان في يهوَّذا. راهبنا سيَّافٌ وهمَّة سيفه أرفع من مهمة قطع أذن عبد رئيس الكهنة، فله من الحدِّ البتَّار ما يفعل الأفاعيل في نافوخ البعل الأشنع الأقبح، وهذا ما نذر له وأقدم عليه بونا الياس. فالسَّيف الرهباني هو الموقف الصّارم لراهب المسيح وكاهنه إلى الأبد. موقفٌ لا يتلطَّى وراء عظةٍ هي حمَّالة أوجه، ولا يلجأ إلى إرشادٍ مدبَّج بأدب التأويل والتخمين تمَّت صياغته بألفاظٍ تساير الجميع، تهادن الجميع، وتداهن الجميع.. ويا فاجعة الهيكل إن تبارى وعَّاظه بأشعار التَّشريفات والتأهيلات والتَّرحيبات، وحاشى لهيكل الأقداس أن يتساوى سقفه ببلاطه وإلاَّ لما رفع يوحنا البريّة درجة الإنذار إلى مستوى التأكيد: “هوذا الفأس موضوع على جزع الشجرة”، وما من يباسٍ أشد خطرًا من تيبُّس الصوت الجَّهير في حنجرة المدعوين لإعداد طريق الرب دون اعوجاج..
الراهب العنداري المترعرع عائليًا ورعويًا وقرويًا وديريًا في ربوع دير سيدة النَّجاة بصّا، المنتمي عقاريًا وعمرانيًا لبلدته كفور العربي الملازمة لسفح قرن حردين حيث قلعة المقدّم بنيامين الحرديني تُلهمُ افتتاح ميادين المقاومة اللبنانية والكفور المباركة، كانت مدرسةً من مدارسها الحربية تخرِّج أعز الرجال وأنخب الأبطال وأجيال المقاومين المتوافدين إلى مرامحها، وحقول الرماية الكفورية تزهو بالترتيل والحداء والحوربة، وليس مثل الأخطار الدّاهمة العاتية مَن ألهم على مقاربة الصَّليب بالرمح.
هوّذا الأب الياس العنداري لا يلبس ثوبه الرهباني إلاَّ إذا أتى مطابقًا للقياس اللبناني، ولا يرفع نذوره للرب إلاَّ وصوت النذور تلامس أعمق مشاعر وأحاسيس النشيد اللبناني. النسر العنداري الرهباني ذهب به التَّحليق العالي بعيدًا عن سربِه فانفلتت “الباطنتا” تطارده من دون هوادة وتلاحقه إلى كل شاردة وواردة، حتى وصلت المطاردة والملاحقة إلى روما من تحت وروما من فوق.. فلم يستجدِ الياس الحَيّ إلاَّ حماية ومعونة سيدة المعونة الدائمة وبينه وبين معوناتها صرحٌ إستشفائيٌ رفع مستواه إلى شهادة الرب المعلم: “كنتُ مريضًا فزرتموني”!!
سليل الأباتي يوحنا العنداري
زمن حرب المرتزقة على الحَرم اللبناني أقدمت هجّانة فصائل “أجراس العودة” على مهاجمة المقر العام “ليشوع بن نون” في دير مار جرجس الناعمة، ليلتحق بأخويه دير مار جرجس عشاش ودير مار جرجس دير جنين… خاطر الأب العام شربل القسيس في تصميم عنيدٍ على تفقد الدير الذَّبيح، وفور وصوله هرع إلى لملمة ما سلم من المحرقة إلى أن وقعت عيناه على المفاجأة الصَّدمة، رسالة عتيقة الورقة مشطورة إلى نصفين جمعهما الأباتي ويا لعجيب ما قرأ: نص الرسالة الرئاسية كتبه عام 1948 رئيس عام الرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي يوحنا العنداري وأرسله إلى رئيس دير مار جرجس النّاعمة الأب أغناطيوس أبو سليمان يطلب منه إلغاء نظام الإبتداء في الدير ونقل المبتدئين إلى دير آخر، وكل ذلك لأجل تحويل دير الناعمة إلى مركز لإيواء الأطفال الفلسطينيين المشرَّدين خلال شتات 1948…
الأب الياس العنداري كان الأكثر تمعُّنًا برسالة قريبه وابن بلدته الأباتي العنداري، فتراءى له وطن الآباء والأجداد مندمج المصير بمصير دير النّاعمة، فأقسم على بيع عباءته الرهبانية ليسوع المصلوب بذاته فلا تقع القرعة على ما تبقَّى ساترًا لوطن الستة آلاف عام، وكان ثمن العباءة العندارية سيفًا يقارع حرَّاس قبور مسحاء النور والقيامة والحق والحريّة!!!
بونا الياس العنداري
حولك في ملكوت دير سيدة النجاة بصّا جميع أحبائك الخمسة عشر ألف السَّاكنين ملكوت ضريح سلطانة الشهداء مغتبطين برؤيا راهبهم وراعيهم ومرشدهم أسمى الإغتباط. أنت وهم والسَّماء لن تلتقون إلاَّ في لبنان!!
كتب ميشال يونس في ““المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]