.jpg)

تمسك بالكتاب، تقلبه، تقرأ العنوان، فتقفز من الصفحات مظاهرات وحراك مضاد، وتفوح رائحة الانفجارات من الكلمات النازفة دم المغدورين، وبين السطور تتراكم جثامين من اغتالتهم الممانعة. فطوبى لمن يعرف كيف يكتب الواقع، في ظل هذا الصخب المفرط في عالمنا اللّبنانيّ. (النائب السابق) إيلي كيروز أصغى إلى صوت الروح، واستدعى المنطق، واستغلّ موهبة الكتابة لمصلحة الحقيقة. فكان كتابه “الحزب ولبنان خطان لا يلتقيان” الصادر ضمن منشورات “دار سائر المشرق”، عناقًا جميلًا لقلب الوطن العليل.
لم يخلط الكاتب المفاهيم للدخول عبر الأبواب المبهمة، بل هدف إلى نزع ما يُسمّى أسطرة المفاهيم السياسيّة في المشهد اللّبناني. وشرّح ذاك العُصاب المَرضي المستشري في أسس العلاقة بين الدولة ومنظومة الدويلة التي تنهش في عصبون الكيان اللّبناني، لعلّة الوجود والاستبقاء على موقعيتها وامتيازاتها التي غنمتها من الخارج، والتي جعلت خوفها من الآخر وخوف الآخر منها مستدامًا.
ولأنّ الواقع السياسي في لبنان نحا إلى مآلات غير سوية خلال عقود، وسيرورة الحاضر حدّثتنا عن التباسات غامضة في واقعنا اللّبناني، ولأنّ هدف تلك السيرورة قد هدّد السلم الأهلي، والعيش المشترك، والنظام البرلماني اللّبناني، فقد كشف كيروز شيطنة “الحزب” للمقابل المعارض له، كما بيّن تفعيله لأسس اللامنطق، وتحديث الجهل، والاستقواء بفائض قوة غير موروثة، بل مستجلبة من السياقات الإيديولوجيّة الإيرانيّة.
صِيْغَ هذا البحث السياسيّ بموضوعية، فقد استند إلى 75 مرجعًا، أهم تلك المراجع الصحف المحليّة، والدوريات اللّبنانيّة، والجرائد، والمقابلات الموثّقة مع عدد كبير من رؤساء جمهوريات ورؤساء مجالس وحكومات ورجال فكر وسياسة وسفراء وأعلام ودين وعسكريّين وسلك دبلوماسي.
جاء الكتاب في غالبيته تجسيدًا لحوادث مؤلمة، برزت فيها الشخصيّات السياسيّة التابعة لفريق الممانعه بصورة هازئة. وبيّن عريهم السياسي المفضوح، من أجل الجلوس على كراسي هذه الفانية. فقد ورد في الصفحة 103 موقف العماد ميشال عون من “الحزب” قبل توقيع اتفاق مار مخايل. فأي سحر استعمله أمين عام الحزب لتأمين الغطاء السياسيّ المسيحيّ، من أجل مشروعه الذي أعلن عنه منذ بداية حياته السياسية والعسكرية، ألا وهو “ولاية الفقيه”، وجعل لبنان الوطن من دون دولة، تابعًا للنظام الملالي الإيراني. وهذا مقتطف من حديث العماد ميشال عون الوارد في الصفحة أعلاه: “الحزب لم يحرّر الجنوب بل أخّر تحريره 14 عامًا، وهو إن كان حرّره فمن أهله”.
الناطق بالحق لا يُستهان، يحطّم قيود الظلمة ويكسر الأغلال من طغيان. فإيلي كيروز، قد وضّح أهميّة القلم مقابل السلاح في إرشادات الإمام الخميني، وكيف انزلق المجتمع الفارسي إلى حقد تمور فيه لظى النيران. ففتك السلاح بالفضيلة، خوفًا من القلم: “أنّ العدو ليس البندقيّة وإنّما القلم” (صفحة 14)
في الفصل الأوّل من الكتاب، فنّد كيروز الحقائق الست، التي ضمّتها الرسالة المفتوحة الصادرة عن “الحزب” بتاريخ 16 شباط 1985. فالقارئ المتمرّس يجد مغالطات كثيرة في نصوصها. فقد ورد عن لبنان في هذه الرسالة في الصفحة 19: “لكونه صنيعة الاستكبار العالمي وجزءًا من الخارطة السياسيّة المعادية للإسلام”. فالحقائق التاريخيّة تدحض الإقتباس أعلاه، إذا عدنا إلى كتاب “لبنان الكبير في الصحافة المهجريّة 1908ـ 1926” لليليان قربان عقل. فهنالك مجموعة من السياسيّين المسلمين، قد أيّدوا فكرة لبنان الكبير ونظامه الطائفي. وقد ظهرت عدّة مواقف للمؤتمرين إلى المؤتمرات قبيل ولادة لبنان الكبير، وعند إعلان الدستور اللّبناني. منها على سبيل المثال ودائمًا بحسب كتاب ليليان عقل، موقف المندوب الفرنسي الواضح “مسيو سوشه”، واعتراضه على الدستور الطائفي الذي روّج له المندوبون اللّبنانيّون إلى موتمر الصلح، فأجاب أحد المؤتمرين صبحي حيدر: “… وقد أظهرت البلاد أمانها بواسطة المستشارين الذين استفتتهم لجنة الدستور، فكانت الأكثريّة الساحقة من الأجوبة موافقة لطلب الطائفيّة”. وقد أيّد مبدأ الطائفيّة النائب عمر الداعوق مستشهدًا بوجودها بلبنان القديم، ووافق عليها أيضًا النائب يوسف الزين. ودوّنت ليليان عقل هذه الوقائع ضمن كتابها في الصفحة 153، نقلًا عن صحيفة “مرآة الغرب” التي تحدّثت عن توقيع الهدنة بين الثوار والفرنسيّين، خلال صياغة الدستور اللّبناني. فكيف يكون الكيان اللّبناني صنيعة الإستكبار العالمي؟
سأل كيروز في الصفحة 25 من الكتاب: “إلى إين يذهب الحزب، بعدما تصدّعت سطوة سلاحه، وبعد أن تصدّعت صورته في لبنان والعالم العربي، بلبنان، بالحكومة اللّبنانيّة، بالجيش اللّبناني، بالشّيعة أنفسهم وباللّبنانيّين”. فهل من داعٍ للسؤال وقد ورد الجواب في الحقائق الست ضمن الرسالة المفتوحة لـ””الحزب” (وثيقة المستضعفين) الواردة في مطلع الكتاب؟ فهذا الحزب لم ولن يعترف بالهويّة اللّبنانيّة كحامل اجتماعي وطني، ولن يدرك الخاصيّة اللّبنانيّة، ولا حتّى المدلول الخاص لكلّ فئة أو شريحة من اللّبنانيّين ضمن الحدود الجغرافيّة المعترف بها دوليًا. فاللّبنانيّون على الرغم من اختلافاتهم وتشرذمهم خلافًا لإرادتهم، يمتلكون قواسم مشتركة عديدة، وعادات وتقاليد خاصة تشكّل جامعًا مشتركًا، ينساق بآثاره ومدلولاته في التاريخ العريق، والحاضر الأليم، كما ينساق في الجغرافيا اللّبنانيّة.
وضع كيروز الوعي الفكري، في وعاء التيقّن والبصيرة. وأوضح أنّ الوعي ليس مجرد اقتباس أفكار معلّبة من الخارج، فكيف إذا كانت الأيديولوجيّة الدينية تتحكّم به، هي التي لا تعتمد حدودًا مرسومة لانتشارها، وتعتبر جميع البلدان خاضعة لـ”ولاية الفقيه”. كما أطّر الواقع في قوالب من السلوك الأخلاقي الوطني البنّاء الذي تمتّع به كثير من رجالات الفكر، والدين، والسياسة عند الإخوان الشيعة، في حراكهم السياسي الذي ينتشل الدولة من تبعيّة الانقياد الأعمى إلى السلطة الجائرة لنظام الملالي الإيراني الذي سلّط “الحزب” كالسيف المسلول على رقاب معظم الأنظمة الشرق أوسطيّة، وصولًا إلى دولة الحداثة المعرفيّة العادلة الجديرة بالحياة: “خروج الشيعة في نُخبهم إلى الفكر الحديث وإلى الحياة الحديثة وإلى محاولة الخروج من دائرة الحرمان، لم يكن على قاعدة التّشيّع وإنّما كان على قاعدة الحداثة. ولم يفكّر أحدٌ إلّا قليلًا في ما أعلم أن يعيد تكوين الشّيعة ويعيد دمجهم في المجتمع اللّبناني وفي الاجتماع عن طريق تصحيح الانتماء إلى شيعيّتهم من جهة وتصحيح انتماء هذه الشّيعيّة إلى الوطن والمجتمع الوطني من جهة أخرى”. (صفحة 32)
انتصر إيلي كيروز لفكرة اللّبننة في جميع المراحل الصعبة من عمر الوطن التي كتب عنها، فلم تكن هذه اللّبننة إرهابًا كما سُمّيت إبان المحطات السياسيّة والعسكريّة التي مرّت. كما أوضح، أنّها خارج إطار السياق السياسي الذي فُرض على عدّة بلدان، فهي تختلف عن التغيّرات السياسيّة والأيديولوجيّة والديموغرافيّة، كالعرقنة والأفغنة والصّوملة والتحوّل الكبير الذي أصاب إيران بعد الثورة الإسلاميّة. لأنّها فعلٌ إيجابيٌّ لأفكارٍ قد تكون اختلفت بمفاهيمها الفكريّة والعقائديّة في ما بينها، لكنّها توحّدت تحت أرزة لا يصح العد والتعداد في ظلّها، إلّا لمحطات التاريخ المشرّف: “إنّ الحزب” يتمسّك ظاهريًا بالديمقراطيّة التوافقيّة كحلٍّ موقت بانتظار الإنجاز العظيم بإلغاء الطائفيّة السياسيّة كقناعٍ لسيطرة العدد محلّ الصّيغة الميثاقيّة”. (صفحة 46)
ورد في كتاب كيروز (صفحة 91) عن الحوار الذي جرى في المجلس النيابي في آذار 2006: “تميّز الحوار في بداياته بمصافحات لافتة بين الأمين العام للحزب السيد نصرالله ورئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط وبين نصرالله ورئيس الهيئة التنفيذيّة لحزب “القوّات اللّبنانيّة” الدكتور سمير جعجع وهي أوّل مصافحة وأوّل لقاء بين الرجلين”. إنّه الحوار الوحيد الذي شارك فيه الدكتور جعجع، وقد عرض طروحات عديدة تصلح كأرض صلبة للبناء عليها، من أجل المحافظة على الوطن، وأهمّها طرح الرؤية بشأن الإستراتيجيّة الدفاعيّة، وتركّزت الرؤية على توحيد شرائح المجتمع التعددي، من خلال تبنّيه سياسة الحياد الخارجي، مع عدم التخلّي عن القضايا العربيّة المحقّة وعلى رأسها القضيّة الفلسطينيّة. وجاء كتاب “الحزب ولبنان خطان لا يلتقيان” ليؤكّد المؤكّد، أنّه لا جدوى من جميع الحوارات التي جرت. وقد اختفت مقرّراتها تحت ظلال الأعلام التي قدمت من الجمهوريّة الإسلامية من خارج الحدود اللّبنانيّة.
المحطات السياسية، وجميع الأحداث التي جرت على أرض لبنان، الواردة في هذا الكتاب، والمدوّنة بصدق وأمانة، تنقل القارئ بثانية واحدة إلى ساحات المعارك والتظاهرات والاغتيالات والخطف والتعرّض للأجانب والتعدي على أصحاب الفكر والقلم والصحافيين. فالتدوينات عن المراحل الحاسمة بحياة الوطن هي مرآة للنفس، وللكتّاب الوطنيّين في سموهم الذين يجعلون صفحات كتبهم شاشة ملتهبة يظهر فيها انحطاط التابعين والمستزلمين للخارج. أمّا للثقافة فوضع آخر، فهي التي تبني الأوطان، أو تهدمها. فقد كتب كيروز عن إدخال “الحزب” الثقافة في متاهات السياسة لمصلحة الأدلجة والسيطرة. وعرض التصرّف الذي حصل في معرض بيروت الدولي للكتاب في دورته 63 خلال اليومين الأخيرين للمعرض. وهذا التصرّف لم يصدر من مؤسّسة رسميّة، أو من جهة موثوقة، بل من أفراد ومجموعات لا يضعون الثقافة على اختلاف أنواعها، ومن ضمنها الموسيقى في موضعها الصحيح. فلماذا لا ننقل رقي المعرض إلى الخارج، بدل أن نحمل ثقافة الشارع المؤدلج إلى الداخل؟ فثقافة معرض الكتاب تختلف عن الأيديولوجيّة الدينيّة: “لقد حوّل الحزب هذا المعرض الذي أقيم في 7 آذار 2022 إلى منصّة لكتب وأفكار التّشييع والرعاية السياسيّة لولاية الفقيه وتمّ تسويره بجداريّة هائلة (للمناضل قاسم سليماني) لقد شكّلت هذه الوقاحة الصفراء إعتداءً موصوفًا من خلال فرض صور المسؤولين الإيرانيين بالقوّة على لبنان من دون أن يعرف أحد بعد علاقة سليماني بمعرض الكتاب والنشر”. (صفحة 162)
وهكذا نرى في جميع صفحات الكتاب، كيف يمكن إقامة مقارنة بين الدولة والدويلة، وبين الأيديولوجيّة القادمة من بلاد فارس والوطنيّة الصافيّة. فالأيديولوجيّة الخارجيّة شكل من أشكال الدراما، وهي حالة استعمار بوجه خاص، مستقلّة تمام الاستقلال عن التأثير الوطنيّ. فهذا المقال ليس مقال نقدٍ أدبيٍ أو سياسيٍّ، بل تأكيد للوعي الجمعيّ اللّبنانيّ على لسان إيلي كيروز، بحسب ما ورد في العنوان: “الحزب ولبنان خطان لا يلتقيان”. وذلك خلافًا لما يقوله أرسطو عن النقد: “إنّ المهمة الأولى للنقد كانت ببساطة تسهيل عملية التبادل، أي البيع من أجل الشراء”. وما كتبته جريدة “النهار” في شهر أيلول عام 1986 عن لسان الأمين العام لـ”الحزب”، والوارد في الصفحة 110 من هذا البحث: “لا نؤمن بوطن اسمه لبنان بل بالوطن الإسلامي الكبير”، يؤكّد على مضمون الكتاب وعنوانه!
كتب يوسف طراد في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]