#dfp #adsense

زيارة عباس: اختبار السيادة اللبنانية

حجم الخط

الدولة

في السياسة، لا زيارات عفوية، خصوصًا في لحظات التحوّل الإقليمي الحادّ، حيث تترابط الأحداث وتتقاطع المصالح. وحين يزور رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لبنان ويلتقي رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، لا يكون اللقاء بروتوكوليًا فحسب، بل مؤشّرًا على صراع عميق حول من يملك القرار، ومن يحدّد وجهة السيادة.

 

زيارة بعنوان “السيادة”… ولكن على من تُمارس؟

البيان المشترك الصادر عن اللقاء حمل في ظاهره بنودًا وطنية: تأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة، رفض استخدام المخيمات الفلسطينية كبؤر فوضى أمنية، وإنشاء لجان مشتركة لمعالجة الأوضاع. غير أن جوهر الحدث يكمن في “توقيت الطرح لا مضمونه”، إذ إن هذه العناوين ليست جديدة، ولكن تفعيلها الآن يمنحها بعدًا استراتيجيًا، يوازي انطلاق مرحلة سياسية جديدة في البلاد.

فلبنان دخل عهدًا جديدًا مع رئيس ذي خلفية عسكرية يتمتع بشرعية داخلية وقبول إقليمي ودولي، في وقتٍ تعاني فيه البيئة الفلسطينية من تفلّت أمني وتجاذبات بين “فتح” و”حماس”، وبين ولاء رام الله وتوجيهات طهران.

ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتحرّك التفاهمات بين السعودية وإيران بخطى حذرة، وتعطي واشنطن بوضوح زعامة المنطقة للسعودية. وفي هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الخليج لتؤكد ضرورة بناء أنظمة سيادية قادرة على ضبط الساحات الداخلية، وقد خصّ لبنان في كلمته بالإشارة إلى إمكانية تحرّره من قبضة “الحزب” إذا قرّر قادته استعادة الدولة. وتأتي هذه التطورات في وقت تُعيد فيه إيران تموضعها بعد استنزافها العسكري والسياسي في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، ما يفتح نوافذ جديدة أمام الدولة اللبنانية إن أحسنت استغلالها. هذه الرسالة لم تكن بلا صدى في بيروت، ويفهمها المتابع كضوء أخضر لتفعيل مسار سيادي حقيقي. من هنا، تكتسب زيارة عباس معناها العميق، كجزء من ترجمة تلك اللحظة الإقليمية، وكمؤشر على بداية تقاطع لبناني ـ فلسطيني ـ دولي في ملف السلاح غير الشرعي.

 

المخيمات والسلاح: الدولة أمام “الدويلة داخل الدويلة”

الحديث عن نزع السلاح الفلسطيني يتجاوز التنظيمات الكلاسيكية؛ فالمخيمات اليوم باتت امتدادًا لمنظومة أمنية ـ إيديولوجية تقودها طهران وتتكامل مع أدوات “الحزب”. كتائب القسام، سرايا القدس، قوات الصاعقة وسواها، لم تعد عناصر فلسطينية مستقلة، بل أذرع ضمن محور إقليمي يتقاطع مع أجندة “الممانعة”.

وأي مسعى لتطبيق بنود البيان لن يُفهم بمعزل عن حسابات “الحزب”، الذي سيراه حتمًا كمؤشر مبكر على إعادة فتح ملف سلاحه، وإن بشكل غير مباشر. لذلك، فإن نجاح هذا المسار لا يتوقّف على الإرادة السياسية فحسب، بل على قدرة الدولة مجتمعة، بمؤسساتها الدستورية والعسكرية، على التحرّك داخل المساحات الرمادية التي لطالما حماها منطق “المقاومة”، وفرض توازن جديد أكثر انسجامًا مع فكرة السيادة.

 

حماس والفصائل الرديفة: بين الاعتراض والانضباط المشروط

في المقابل، القوى الفلسطينية المسلحة داخل المخيمات، وعلى رأسها “حماس”، “سرايا القدس”، و”أنصار الله”، لن تتعاطى مع مقررات البيان كطرف منفّذ بل كمستهدف غير مباشر. هذه المجموعات المرتبطة بمحور الممانعة تدرك أن أي تنظيم للسلاح الفلسطيني يُضعف أوراق الضغط التي تمسك بها، ويعزلها عن دورها كامتداد أمني إقليمي. ولذلك، قد تتخذ موقفًا مزدوجًا: الاعتراض الخافت، والانضباط التكتيكي، بما ينسجم مع توازنات “الحزب” ويمنع الانفجار الكامل، دون أن يعني ذلك قبولها الفعلي بمسار الدولة.

 

الجيش اللبناني: حجر الزاوية في اختبار الهيبة

لا سيادة فعلية دون قوة تنفيذ شرعية. والجيش اللبناني، بصفته المؤسسة الدستورية الوحيدة القادرة على التحرّك في المناطق المحظورة دون إشعال نزاعات أهلية، يتحوّل إلى ميزان حقيقي لنضج القرار السيادي. فعبر استخباراته، ولجانه المشتركة، ومرونته في التواصل مع الفصائل المعتدلة، يستطيع الجيش إعادة إنتاج التوازن داخل المخيمات، شرط وجود غطاء سياسي واضح وثابت.

الرئيس عون، الآتي من رحم المؤسسة العسكرية، يعرف نقاط قوة الجيش وحدوده. لذلك، فهو مؤهّل لبناء مقاربة ذكية ومتدرّجة تتيح استعادة السيطرة، لا بالصدام، بل عبر الاستيعاب والتدرّج.

 

الرئاسة اللبنانية: السيادة تحت المجهر

الرئيس عون ليس رئيسًا تقليديًا. سلوكه المؤسساتي، وعلاقاته الدولية، ومساعيه الحذرة لفتح حوار مع “الحزب” حول مستقبل السلاح، تضعه في موقع “رئيس مشروع” أكثر من “رئيس تسوية”. ومن هنا، فإن تفاعله مع البيان الفلسطيني سيكون بمثابة الاختبار الأول لخياراته السيادية.

فهل يكتفي بالإعلانات الرمزية؟ أم يترجم البنود إلى خطوات تنفيذية داخل المخيمات؟ والأهم، هل ينجح في كسر الفيتو غير المعلن الذي يفرضه “الحزب” على الملفات الأمنية والعسكرية الحساسة؟

 

“الحزب”: بين القلق والتأقلم

“الحزب” يقرأ التحوّلات جيدًا. يدرك أن ضبط السلاح الفلسطيني يفتح الباب لمقاربة ملفه الخاص، وربما يشكّل ورقة تفاوض بيد الرئيس عون في أي تسوية لاحقة. في الوقت نفسه، لا يستطيع الدخول في مواجهة مباشرة مع رئيس يحظى بدعم دولي وشرعية شعبية متزايدة.

من هنا، يُرجّح أن يعتمد “الحزب” سياسة “الاحتواء المرحلي”: السماح ببعض الإجراءات الشكلية، مقابل الحفاظ على البنية العميقة للمنظومة الأمنية التي يديرها.

 

تكتيك لا تحوّل:

يذهب البعض إلى الاعتقاد أن قبول “الحزب” بسحب السلاح الفلسطيني قد يكون تمهيدًا ضمنيًا لبحث سلاحه هو. إلا أن هذا الربط، وإن بدا منطقيًا في الظاهر، يتجاهل الفارق البنيوي بين المسارين. فـ”الحزب” لا يرى في سلاح المخيمات تهديدًا استراتيجيًا، بل يعتبره ورقة هامشية يمكن التضحية بها عند الحاجة، سواء لتحسين شروط التفاوض أو لإظهار مرونة تكتيكية أمام الخارج. أما سلاحه، فيُعدّ مكوّنًا جوهريًا في منظومته العقائدية ـ الأمنية، وأي محاولة لإسقاط تجربة على أخرى، ليست إلا وهمًا سياسيًا في غير مكانه.

 

ثلاث سيناريوهات محتملة

1 ـ التفريغ تحت عنوان التهدئة: عرقلة تنفيذ البنود بحجج التوازن والاستقرار.

2 ـ الاختراق المتدرّج: استثمار المقررات لتوسيع هامش الدولة داخل المخيمات، بغطاء عسكري وتوافق فلسطيني رسمي.

3 ـ تفجير داخلي مقنّع: دفع الأمور نحو اشتباك فلسطيني–فلسطيني يبرّر لاحقًا الإبقاء على السلاح تحت شعار حماية الذات.

ختامًا، لبنان أمام امتحان سيادي لا يحتمل التراخي. فزيارة عباس لم تكن مجاملة سياسية، بل لحظة عاكسة لحقيقة البلد: من يُدير قراره، ومن يُنفّذ إرادته، ومن يُمسك بمفاتيح الحرب والسلم.

البيان المشترك بين الرئيسين قد لا يُحدث انقلابًا فوريًا، لكنه كسر المحظور، وأعاد طرح السؤال الجوهري على الطاولة اللبنانية والدولية: إذا عجزت الدولة عن ضبط قطعة جغرافية بحجم مخيم، فكيف ستحكم وطنًا بأكمله؟

إنها بداية اختبار الرئاسة، والجيش، والدولة. إما أن تشكّل هذه المرحلة مدخلًا لمسار سيادي حقيقي، أو تتحوّل إلى مجرّد إعلان نوايا يُضاف إلى أرشيف الجمهورية المعطّلة.

السيادة لا تُمنح… بل تُنتزع. والمخيمات اليوم ليست فقط ساحات أمنية، بل مرآة كاشفة لمن يملك الكلمة الأخيرة في لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل