هناك معارك لا تُخاض لتُربَح في لحظتها، بل لتُكشَف فيها نوايا الخصوم وتُفرَز فيها الخيارات. ومعركة جزين واحدة من تلك اللحظات المفصلية. فمن يراها مجرد “خسارة بلدية”، يكتفي بالنظر إلى السطح؛ أما من يدرك مشروع القوات اللبنانية، فيعلم أن كل استحقاق هو مناسبة لكشف المشهد الحقيقي في البلاد: من معنا في مشروع الدولة، ومن ما زال يُدار من خلف الستار.
من يعتبر أن معركة جزين كانت خسارة للقوات اللبنانية يُخطئ في فهم مسار الحرب الكبرى التي تخوضها القوات بثبات وعقل استراتيجي. فجزين لم تكن مجرد صندوق اقتراع، بل كانت فخًا سياسيًا محكمًا نجحت القوات في جرّ التيار الوطني الحر إليه، لتفضح تقاطع مصالحه السلطوية اللحظية مع “الحزب” وحركة أمل. وهذا ما حدث حرفيًا: التيار عاد واستقوى مجددًا بالثنائي الشيعي، بعد شهور من محاولات التبرؤ منه، ليثبت أنه لا يملك شيئًا من القوة من دونه.
ربح التيار بلدية مدينة جزين، لكن لا بقدرته الذاتية ولا بتماسكه الداخلي، بل بعضلات مستعارة من الثنائي الشيعي. سقط قناع “الاستقلالية” الذي يدّعيه، واتّضح أن كل استحقاق جدّي يعيده إلى بيت الطاعة. وفهم الجميع – وهو أولهم – أن لا انتصار له إلا إن صوّتت له القنابل السياسية نفسها التي أنكرها يومًا، ثم عاد يستجديها.
اليوم، أضاءت جزين على مشهد صارخ: بين من المدافع عن السيادة، ومن يضعها في جيب “الثنائي الشيعي”. والمفارقة المؤلمة أن من فاز بالبلدية خسر الخطاب، ومن خسر الصندوق ربح الحقيقة. فالربح في جزين لم يكن عدديًا، بل رمزيًا، لأنه كشف الأقنعة وأسقط الاستقلالية المزعومة، وهو ما يُعد انتصارًا معنويًا بامتياز في معركة تُخاض على المدى الطويل.
وفي الأسبوع الرابع، تُوّج هذا المسار بسلسلة انتصارات جديدة في الجنوب، شملت البلدات المسيحية من قضاء جزين مرورًا بقرى صيدا، وصولًا إلى القرى الحدودية الجنوبية، حيث أكّد أبناء تلك المناطق، كما سائر الأحرار في لبنان، تمسّكهم بخيارات القوات الوطنية، على الرغم من الترهيب والإغراء والضغط.
وهذا التقدّم لم يكن حدثًا ظرفيًا، بل تتويجًا لثلاثة أسابيع من التمدّد النوعي لحضور القوات اللبنانية. أما المشهد الأوسع، فانعكس في انتصارات متتالية في بعبدا، المتن، كسروان، جبيل، البترون، الكورة، زغرتا، بشري، عكار، زحلة، دير الأحمر، والبقاع، ما يكرّس حقيقة أن حضور القوات لم يعد استثناءً انتخابيًا، بل تحوّلًا سياسيًا متصاعدًا في المزاج العام على امتداد الوطن.
فبينما فاز التيار برئاسة بلدية جزين، خسر في المقابل اتحاد بلديات القضاء الذي كان ممسكًا به لعقود. وهو ما يتجاهله عمدًا، لأن الرسالة الشعبية كانت أوضح من أن تُطمس: الناس اختاروا مشروع الدولة لا سلطة التحالفات الهجينة.
بهذا المعنى، لم تكن جزين نهاية، بل بداية مرحلة جديدة أكدت أن القوات لا تخوض معارك انتخابية فقط، بل تبني وعيًا عامًا يتجاوز الصندوق نحو عمق العقل الشعبي. لقد حرّكت المياه الراكدة، وزرعت شكًا عميقًا في قلوب كثيرين تجاه حقيقة “التيار” وموقعه الفعلي في اللعبة الوطنية.
ومن يعرف القوات اللبنانية، يدرك أنها لا تعيش على الانتصارات اللحظية، بل على تراكم المعنى، وعلى استثمار كل معركة – ربحًا أو خسارة – في سبيل مشروع سيادي لا يساوم.
ولهذا بالذات، القوات اللبنانية ليست محطة انتخابية، بل مسار مقاومة طويل النفس؛
مسار لا يبحث عن مشهدية الانتصار، بل عن بنية الانبعاث الوطني؛
مسار لا تقفله خسارة بلدية، ولا تزيّنه فورة إعلامية، بل تصنعه ثقة الناس وإرادتهم؛
ومن يثق، يثبت. ومن يثبت، يبني. والقوات تبني.
وجزين لم تكن إلا محطة من محطات المواجهة الآتية. فالمعركة المقبلة ليست على بلدية… بل على هوية لبنان.
.jpg)