يؤكد مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية ديمتري بردجيه، أن “العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا منذ انطلاق العملية العسكرية في أوكرانيا، وبالأخص تلك التي تصاعدت في مطلع العام 2025، بدأت تُحدث أثرًا تراكميًا على البنية الاقتصادية الروسية، خصوصًا في قطاعي الطاقة والتكنولوجيا”.
بردجيه، وفي حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، يرى أن “العقوبات التي طالت أكثر من 180 ناقلة نفط وشركات تتولى إدارة “أسطول الظل” الروسي، تمثّل تحولًا نوعيًا في أدوات الضغط، كونها تستهدف البنية اللوجستية التي تعتمد عليها موسكو في تصدير النفط عبر مسارات غير تقليدية”. ويضيف، أن “هذا النوع من الضغوط يتزامن مع محاولات داخل الكونغرس الأميركي لتشديد الخناق على العائدات الروسية، عبر مشاريع قوانين تفرض رسومًا جمركية تصل إلى 500% على واردات الطاقة، ما يعكس إجماعًا أميركيًا واسعًا على أن الحرب في أوكرانيا يجب أن تُحسم اقتصاديًا بقدر ما هي صراع جيوسياسي”.
ويعتبر بردجيه، أن “موسكو، على الرغم من قدرتها الظاهرية على امتصاص الصدمات في المدى القصير، غير أنها تواجه مأزقًا متصاعدًا على صعيد التمويل والإمداد العسكري”، متحدثاً عن “مظاهر واضحة للأزمة داخل المناطق القريبة من الجبهات، مثل دونيتسك وبيلغورود، حيث بدأت تظهر أزمات تتعلق بتوفير المعدات الأساسية والغذاء، ما يُعيد إلى الأذهان مرحلة الانهيار الاقتصادي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، حين سيطر الفساد على مفاصل الدولة”.
بردجيه يؤكد أن “الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يراهن على تسوية عادلة، بقدر ما يسعى إلى فرض وقائع ميدانية تُمكّنه من انتزاع مكاسب تفاوضية”. ويرى أن “الحديث عن منطقة آمنة منزوعة السلاح في أوكرانيا، كما طرحه مسؤولون روس سابقًا، هو في حقيقته تكريس لنموذج الهيمنة العسكرية وفرض حكومة موالية للكرملين، ما يضع أوكرانيا أمام تهديد وجودي يتجاوز مسألة الأراضي”.
ويحذّر ديمتري بردجيه، “من اتساع رقعة النزاع”، لافتًا إلى أن “توسيع الجبهات أو فتح صراعات موازية مع دول البلطيق أو جمهوريات القوقاز، قد يؤدي إلى إنهاك الاقتصاد الروسي لسنوات، ويفتح الباب أمام اضطرابات داخلية تمسّ النسيج الاجتماعي والسياسي للاتحاد الروسي برمّته”.
بردجيه يذهب إلى أبعد من حدود الصراع، إذ يرى أن “موسكو تسعى من خلال هذه الحرب إلى فرض واقع سياسي جديد، ليس فقط في أوكرانيا، بل في عموم أوروبا. فالهدف، كما يقول، لا يقتصر على تغيير المعادلات العسكرية، بل يتعداها إلى محاولة تقسيم الاتحاد الأوروبي، وإضعاف قدراته الاقتصادية والسياسية، والدفع باتجاه تغييرات جذرية في السياسات الأوروبية، وفي بنية التحالفات الحزبية داخل دوله”.
ويشير بردجيه، إلى أن “الكرملين يدعم قوى اليمين المتطرف في أوروبا، وعلى رأسها حزب “البديل من أجل ألمانيا” وأحزاب قومية أخرى، بهدف تقويض البنية الليبرالية الأوروبية من الداخل. فروسيا، بحسب قوله، لا تسعى فقط إلى انتصار عسكري في أوكرانيا، بل إلى إعادة تشكيل النظام الأوروبي بأكمله وفق رؤية تتيح لها نفوذاً أوسع على المدى البعيد”.
وفي هذا السياق، يلفت بردجيه إلى أن “ملامح أوروبا المستقبلية لا تزال ضبابية، في ظل تصاعد السيناريوهات المحتملة، بين تسليم السلطة للقوى الليبرالية الموالية للغرب، أو صعود التيارات القومية المؤيدة لروسيا، أو حتى تشكيل حكومات تكنوقراط ذات طابع انتقالي”. ويعتبر، أن “كل هذه السيناريوهات مطروحة، وأن التوازنات الجيوسياسية في القارة باتت رهينة للتطورات اليومية في الميدان الأوكراني”.
بردجيه يؤكد، أن “أي محاولة لعقد صفقة كبرى بين موسكو وواشنطن، لتسوية الصراع، ستصطدم بمعضلة جوهرية تتعلق بطبيعة الشخصيات القيادية في كلا البلدين. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، ينظر إلى السياسة الخارجية بمنطق رجل الأعمال والصفقات التجارية، بينما يتحرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضمن عقلية استخباراتية نشأت وتبلورت في أروقة المخابرات السوفياتية، وهو ما يجعل من التفاهم بين الطرفين مهمة شاقة محفوفة بالخلافات الجوهرية في الرؤية والمنهج”.
بردجيه يعتبر، أن “السلام هو البداية الحقيقية لكل شيء. من دون سلام، لا يمكن الحديث عن اقتصاد، ولا عن استثمار، ولا عن مستقبل، ولا حتى عن حياة. الحرب الروسية الأوكرانية، التي دخلت عامها الرابع، لم تعد مجرد معركة على الأراضي، بل أصبحت نزيفاً مستمراً يلتهم كرامة الشعوب وميزانيات الدول، ويعيد تشكيل خرائط النفوذ بالقوة، لا بالشرعية. ما يجري اليوم هو أكبر من حرب حدود؛ هو معركة على مفهوم النظام العالمي، بين من يريد الحفاظ على هيمنة القوّة، ومن يريد عالماً متعدد الأقطاب، متنوعاً، فيه صوتٌ للشرق كما للغرب. لكن في خضمّ كلّ هذا، من يدفع الثمن؟ الشعوب. الشعب الأوكراني الذي باتت أرضه مختبراً لصواريخ الغرب، والشعب الروسي الذي يُطلب منه الصبر والتضحية بينما تُجمَّد الأصول ويُحاصر اقتصاد بلده، والشعوب الأوروبية التي تواجه تضخماً وكساداً وسقوطاً تدريجياً في الثقة بالقيادة”.
يضيف: “أعتقد أن ملف السلام اليوم صار رهينة مصالح لا علاقة لها بالعدالة. واشنطن تتحدث عن وساطة، لكنها في ذات الوقت تضخّ الأسلحة وتخطّط لفرض عقوبات جديدة أشد من كلّ ما سبق، كأنها تريد سلاماً ولكن من موقع المنتصر لا من موقع العاقل. وترامب، الذي عاد إلى الواجهة، يصعّد في لهجته، يصف بوتين بـ”المجنون”، ويعد بعقوبات “ساحقة” قد تشمل تجميد الاحتياطي الروسي في الخارج أو حظر عالمي على “غازبروم”. لكن عن أي سلامٍ يتحدّثون وهم لا يتركون منفذاً لموسكو تحفظ به ماء وجهها؟. الروس لن يقبلوا بشروط إذلال، والأوكرانيون لن يقبلوا بالعودة إلى الوراء، والغرب لا يفاوض بل يُملي!!!”.
يتابع: “أعتقد أن من يريد السلام فعلاً، عليه أن يعترف أن لا منتصر في هذه الحرب. ما من طرف سيخرج منها كما دخلها. يجب أن يُعاد تعريف النصر: ليس من يسيطر على مدينة، بل من يعيد طفلاً إلى مدرسته، وأسرة إلى بيتها، واقتصاداً إلى نبضه. إن وقف إطلاق النار، ولو مؤقتاً، قد يكون السبيل الوحيد لبدء صفحة جديدة. المبادرات موجودة: تركيا تفتح أبواب إسطنبول، والصين تطرح مبادئها الـ12، وحتى بعض القوى في أفريقيا وأميركا اللاتينية تعبّر عن استعدادها للوساطة. لكن الكبار مشغولون بعضّ الأصابع بدل أن يمدّوها للمصافحة”.
بردجيه يلفت، إلى أن “ملف العقوبات سيفٌ ذو حدين. نعم، العقوبات أضعفت القدرة المالية الروسية، وقلّصت من صادراتها، وأجبرت الكرملين على اللجوء إلى التبادلات بالروبل واليوان والدرهم، لكنها أيضاً شحنت الخطاب القومي الروسي، وأعطت بوتين حجّةً أمام شعبه بأن الغرب يريد خنق روسيا لا فقط إنهاء الحرب. العقوبات لا تخلق استسلاماً، بل تصلّباً. واليوم، ما يُناقش في واشنطن ولندن وبروكسل ليس كيفية إنهاء الحرب، بل كيفية زيادة الألم. أي سلامٍ يُبنى على الألم؟!”.
بردجيه يعرب عن اعتقاده، بأن “أوروبا اليوم في مفترق تاريخي. هناك من يريد أن يستعيد مجده على حساب النار الأوكرانية، وهناك من بدأ يفهم أن الحرب تطحن الداخل كما الخارج. ألمانيا رفعت القيود عن الصواريخ الموجهة، وفرنسا سلّمت صواريخ ستورم شادو، وبريطانيا لا تخفي دعمها لشنّ ضربات في عمق روسيا. لكن السؤال: إلى أين؟، إذا سقط صاروخ أوكراني – ولو خطأً – على مدينة روسية مأهولة، هل نقترب من مواجهة مباشرة؟، وهل أوروبا جاهزة لمواجهة موسكو مباشرةً من أجل كييف، أم أن هناك من يراهن على انهيار روسيا من الداخل؟، هذا الرهان خطير، وسابقاً راهنوا على ذلك في العراق وسوريا وليبيا، وكانت النتيجة خراباً طويل الأمد وانفلاتاً لم ينتهِ حتى الآن”.
يضيف: “أعتقد أن الصين هي الطرف الأكثر دهاءً في هذا المشهد. لا تدعم أوكرانيا بالسلاح، ولا تدين روسيا بشكل صريح، بل تُمسك العصا من المنتصف وتستخدم لغة السلام، لكن في العمق، هي تملأ الفراغ، في الطاقة، في المعادن، في التبادلات البنكية، في التكنولوجيا. بكين لا تخسر شيئاً، بل تربح من كلّ يومٍ جديد تستمر فيه الحرب، فهي تشتري النفط بسعر أرخص، وتوسّع صادراتها، وتحسّن شروطها في النظام المالي العالمي. السلام بالنسبة للصين ليس عاطفة، بل صفقة، وإذا لم تجد من يعقدها معها، ستبقى في موقع المتفرّج المستفيد”.
يتابع: “إذا عدنا إلى الداخل الروسي، فإننا نرى نظاماً قرر أن يسير في طريق اللاعودة. هو يعرف أن أي تنازل كبير قد يكون بداية النهاية، لذلك يرفع السقف، ويجدد التعبئة، ويضرب البنية التحتية في أوكرانيا كلما اقتربت مفاوضات. لكن لا أحد يقول الحقيقة: روسيا لن تستطيع الانتصار الكامل، وأوكرانيا لن تستعيد كل ما خسرته بالسلاح وحده، والغرب لن يواصل الدعم بلا نهاية. هذا المثلث المتعب لن ينهار بالسلاح، بل سيسقط عندما يُدرك الجميع أن الاستمرار لم يعد خياراً عقلانياً”.
بردجيه يختم بالتشديد على أن “كل هذه الملفات: السلام، العقوبات، الأسلحة، المواقف الأوروبية، والدور التركي والصيني، تدور حول سؤال واحد: من يملك الشجاعة للجلوس إلى طاولةٍ واحدة من دون شروطٍ مذلّة؟، من لديه الشجاعة ليقول لشعبه الحقيقة؟، من يجرؤ على خفض السلاح قبل أن يُجبَر على ذلك؟. الجواب لن يأتي من السياسيين وحدهم، بل من الضغط الشعبي، من تعب المجتمعات، من اقتصادٍ لم يعد يتحمّل. الشعوب يجب أن تصرخ: كفى، لأنها من يدفع الثمن، لا أولئك الجالسين خلف مكاتبهم في بروكسل أو الكرملين أو البيت الأبيض…”.

.jpg)