ما دام «الآتي الأعظم» يخشاه الجميع، بمن فيهم «حزب الله»، فإنّ أمام «الحزب» فرصة ثمينة، وقد يندم عليها يوماً، لاستثمار النداءات التي يطلقها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للبحث عن مخرج حقيقي لملف السلاح، وآخرها في تقريره حول الـ 1701
ما يقوله "حزب الله" علناً في المحكمة الدولية والقرار 1757 لا يقوله في القرار 1701. فـ"الحزب" يعلن سعيه الصريح إلى إسقاط المحكمة. وأكد أمينه العام السيد حسن نصرالله أن أيّاً من الكوادر الحزبيين الأربعة الواردة أسماؤهم في القرار الاتهامي لن يتمّ العثور عليه، ولو بعد 300 سنة! وهو إذ يتّهم المحكمة بخضوعها للإرادة الأميركية – الإسرائيلية، يصرّ على عدم الاعتراف بها والعمل لإسقاطها. ولكن في ملف القرار 1701، بقي "الحزب" ملتزماً حدود الرفض المبدئي، على رغم "اتهام" الرئيس فؤاد السنيورة بـ"حياكة" القرار مع الأميركيين، خلال ترؤسه الحكومة في صيف 2006. ولم يصل "الحزب" إلى التهديد بإسقاط القرار 1701، لأن ذلك سيعني فتح حرب ميدانية مع المجتمع الدولي من خلال القوات المُولجة رعاية تنفيذ القرار، أي قوات "اليونيفيل" المدعّمة.
ولكن من الطبيعي أن يكون "حزب الله" مستاء من القرار1701. فهو أخرج نشاطه العلني من منطقة جنوب الليطاني، وحرَمَه ورقة استخدام الجنوب مسرحاً لعملياته. لكنه بقي يجاهر بأن ترسانته من السلاح تتعاظم على رغم كل شيء، وبأنها باتت أكبر ممّا كانت عليه في أي يوم مضى. وهذا ما يثيره الأمين العام للأمم المتحدة في تقاريره ربع السنوية. وكان جزءاً أساسياً من محادثاته في بيروت في كانون الثاني الفائت.
وتستند التقارير إلى معلومات مفادها أن السلاح مستمر في التدفّق على "الحزب"، عن طريق سوريا. وهذا ما كان برّر التحذير الذي أطلقه، في الصيف الماضي، الممثل السابق للأمين العام مايكل ويليامز، مع انتهاء عمله في بيروت، من احتمال انتقال الفتنة المذهبية من سوريا إلى لبنان، نظراً إلى عوامل متعدّدة، وبينها تدفّق السلاح عبر الحدود.
ولذلك، ما يهمّ "الحزب" من القرار 1701 هو عدم المسّ بسلاحه، والباقي يمكن المناورة حوله. وما يهمّه من القرار 1757 هو عدم المسّ بكوادره الأمنية والعسكرية، والباقي تفاصيل. فـ"الحزب" حريص على الاحتفاظ بمقوماته كتنظيم مسلّح، وما تبقّى يصبح قابلاً للأخذ والردّ السياسيين.
لكن "الحزب"، وفقاً لِما تتقاطع عليه الأوساط المطلعة على مواقفه الحقيقية، وعلى رغم تمسّكه بعناصر قوته الأمنية والعسكرية، يلتزم ثابتتين:
– الأولى، هي أنه لن يدخل في مغامرة داخلية على خلفية الملف السوري، أيّاً كان المنحى الذي سيتخذه هذا الملف في المرحلة المقبلة. وهو لن يسجّل في أي ظرف أنه تسبّب في اندلاع فتنة مذهبية. ولو كان "الحزب" يدرك في 7 أيار 2008 أن دخوله إلى بيروت سيؤدي إلى اندلاع مواجهة سنّية – شيعية، لما كان قام بهذا العمل. وكان السيد نصرالله أعلن، في موقف مُشابه، أنه لو كان يدرك أن إسرائيل ستقوم بالردّ التدميري على عملية المقاومة في تموز 2006 لَما كانت نفّذتها.
– الثانية، هي أنه لن يخوض مواجهة مع المجتمع الدولي في الظرف الصعب، والدليل "براغماتيته" في التعاطي مع المحكمة وسائر القرارات الدولية التي يرفضها أو "يعاني منها"، بما فيها القرار 425 والقرار 1559. ويتحالف "الحزب" اليوم مع العماد ميشال عون الذي لطالما تبَاهى بأبوّته الشرعية للقرار 1559.
إلّا أن "حزب الله" في محاولته الاحتفاظ بالمكاسب كلها، وتجنّب تقديم أي تنازل فعلي، يغامر في الوقوع في المنزلق الذي لا يريده. فمن الصعب، في ظل السخونة المتزايدة ميدانياً في سوريا، تحقيقُ فكّ ارتباط بين الساحتين المذهبيتين في لبنان وسوريا، ما دام هناك من يجاهر بأن سلاحه الثقيل مستمر في التدفق من سوريا. والإشارات التي أظهرتها الصدامات العسكرية في الشمال في الأشهر الأخيرة تبعث على القلق، حتى في صفوف "حزب الله" الرافض للفتنة.
ولذلك، يبدو "الحزب" أمام استحقاق الحوار حول سلاحه قبل فوات الأوان. والدعوة التي تضمّنها تقرير بان كي مون إلى حوار من هذا النوع، مرّة جديدة، تلتقي مع الدعوات إلى الحوار في بعبدا. لكن المسؤولية التي تترتّب على راعي الحوار وأصحاب السلاح، على حدّ سواء، هي مسؤولية الدخول في عمق حوار جدّي لا شكليّ، بهدف استثمار الوقت، لا إضاعته، على غرار ما جرى حتى اليوم.
وقد يكتشف "الحزب" أن النداءات التي وجّهها إليه بان كي مون، والتي سبقه إليها فريق 14 آذار على مدى أعوام، هي الفرصة الثمينة لدخوله قوياً في تسوية تاريخية تنقذه وتنقذ لبنان. وقد يؤدي إهدارها إلى منزلق لا يسلم منه أحد، ولا ينفع "الحزب" ندمه المتأخّر كثيراً عليها.