تشكّل زيارات كبار المسؤولين الأجانب إلى لبنان محطات مفصلية تحمل في طياتها دلالات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، خصوصاً حين تصدر عن دول ذات أدوار إقليمية نافذة، كزيارة وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عباس عراقجي. ففي ظلّ التحديات التي تعصف بالمنطقة، وتبدّل المعادلات على أكثر من محور، تكتسب زيارة عباس عراقجي الأخيرة إلى بيروت أهمية استثنائية، سواء لجهة توقيتها أو الرسائل المتبادلة خلالها.
غير أن خصوصية هذه الزيارة لم تتجلَّ فقط في بعدها الجيوسياسي، بل في المناخ الذي رافقها داخل لبنان نفسه، حيث برزت مقاربة رسمية مغايرة، عبَّر عنها بشكل ساطع وزير الخارجية اللبنانية يوسف رجّي، حملت في طيّاتها نبرة جديدة وواضحة في مخاطبة الضيف، بما يعكس تحوّلاً في الأداء الدبلوماسي اللبناني، واستعادة تدريجية لفكرة الدولة، ولمنطق الندية في العلاقات الخارجية.
رئيس حركة التغيير إيلي محفوض يؤكد عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “وجود وزير سيادي يملأ مكانه ويحمل بجعبته قضية كبيرة والجهة التي سمَّته هي “القوات اللبنانية”، فرض إيقاع زيارة وزير خارجية ايران، وقد تكون المرة الأولى التي ينضبط فيها وزير الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال زيارته إلى لبنان”.
محفوض يشدد على، أنه “بعيداً عن خلفيات الزيارة وأهدافها وتوقيتها، الإشارة السريعة تقول إن هذه الزيارة تأتي على وقع أمرين: أولهما الإيحاء بالتوتر في الطبيعة العلائقية بين واشنطن وتل أبيب، وثانيهما، الإجراءات الأخيرة التي اتخذها رئيس الولايات المتحدة الأميركية بإقالة بعض الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم بمعسكر الدفاع عن مصالح إسرائيل داخل إدارته، وتحديداً تبديل الشخص المكلف من قبل ترامب كموفد أميركي إلى لبنان”.
يعتبر محفوض، أن “هاتين الإشارتين، إلى جانب التجاذب الحاصل والروايات التي تساق حول تردي مضمون وتفاصيل المفاوضات الأميركية الإيرانية، عجَّلت الزيارة. لكن نحن في لبنان يهمنا 3 مبادئ أساسية:
1ـ نرحّب بكل ضيف، لكن عليه ان يأتي إلى لبنان كضيف.
2- على أي ضيف احترام أصول الدبلوماسية والضيافة.
3- يأتي وزير خارجية إيران كممثل لبلاده ويتعاطى مع الدولة اللبنانية، ولا يأتي كمشغّل لـ”الحزب” يوزّع الرسائل شمالاً ويميناً”.
وفق محفوض، “من الواضح أن الكلام الذي قاله وزير خارجيتنا يوسف رجّي أمام وزير خارجية إيران، كلام نوعي وجديد لم يعتد الإيراني على سماعه، لا من خارج الحدود ولا من داخلها، فكيف بالأحرى وجهاً لوجه، إذ واجهه وزير الخارجية بكلام صحيح يجب أن يقال، لكن للأسف كنا نُمنى بوزراء “خزماتشيين” تارة عند النظام السوري وتارة على باب حارة حريك. المهم أن كلام رجّي يمثّل نبض وحقيقة القضية اللبنانية، والأدبيات التي استعملها مستقاة من قاموس البيان الوزاري وقسم رئيس الجمهورية”.
يلفت محفوض، إلى أن “زيارة وزير خارجية إيران إلى لبنان، تردّني إلى المرحلة التي كان الإيرانيون يعتبرون فيها أن بيروت هي إحدى العواصم الأربعة الواقعة تحت سيطرتهم، فيما من الواضح أنه هذه المرة يزور بيروت مغايرة تماماً عن بيروت السابقة، ويزور وزارة خارجية مختلفة عن كل الوزارات التي تعاطوا معها في السابق”.
محفوض يرى، أن “ترميم العلاقة بين لبنان وإيران يدفعنا إلى ترميم علاقتنا مع كل دول العالم، إذ لا مصلحة لنا أن نكون بخصومة أو عداء أو توتر مع أي دولة في العالم، لكن بشرط أن تحترم هذه الدولة سيادة لبنان وتتعامل معنا من الند إلى الند وتعرف أن التعاطي يكون من دولة إلى دولة لا عبر أي وسيط، خصوصاً “الحزب” الذي تشغله إيران وتموّله وتأمره بخوض الحروب”.
“إذا كان ما قيل داخل أروقة الخارجية وكلام عراقجي عن أن سلاح “الحزب” شأن داخلي صادقاً، على عراقجي ترجمة هذا القول بالفعل، ونحن أمام امتحان جديد حول طبيعة العلاقة بين الدولتين، والطابة بملعب طهران لتؤكد أنهم تتعامل معنا من دولة لدولة لا كمشغّل وراعي للحزب”، يختم محفوض.
