
اضمحلال وحدة الساحات، أفضت لوحدة موقف داخلية في خضمّ ما تعيشه المنطقة من توترات وليس آخرها الحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية، والتي جنّدت الرئاسات الثلاث لضمان حياد واستقرار لبنان عبر توجيه رسالة حازمة لـ”الحزب” ومن يدور في فلكه من مغبة التورط وجر لبنان الى ما لا تحمد عقباه. في الأثناء، لا تبدد الرسائل الرسمية المخاوف، في ظل تساؤلات مشروعة عن إمكانية “تهورّ “الحزب” في مغامرة غير محسوبة، على وقع مخاوف جدية أبدتها باريس من عواقب استمرار الحرب على لبنان. سياسياً أيضاً، فصل جديد، في كتاب الدبلوماسية بتوقيع وزير الخارجية يوسف رجي الذي كسر جموداً دام 8 سنوات، أفضى الى إقرار سلس لسلسلة تعيينات دبلوماسية شاملة بعيدة عن الزبائنية والمحاصصة.
الى ذلك، أصابت شظايا الحرب الموسم السياحي في لبنان، إذ عملت سفارات عربية على إجلاء رعاياها على وقع ترقب لموقف الولايات المتحدة ودول غربية أخرى قد تحذر مواطنيها من السفر الى لبنان.
في التفاصيل، أفادت معلومات “النهار”، بأن لدى باريس مخاوف من أن تطول الحرب الإسرائيلية على إيران وأن يكون لها عواقب على لبنان. فالتحليل الفرنسي السائد حالياً هو أن حلفاء إيران في لبنان لن يتحركوا الآن لأن قدرتهم لا تسمح لهم بذلك، لكن كلما طالت الحرب ازداد هذا الخطر. لذا اتصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنظيره اللبناني جوزف عون ليؤكد له ضرورة القيام بما يجب فعله لضبط الأوضاع الأمنية ومنع أي ردة فعل على الأرض. وترى باريس أن الجميع يريدون تجنّب مثل هذا الاحتمال. واستناداً إلى هذا التحليل فثمة اختبار حقيقي للرئيس عون، لأنه في السابق لم يكن هناك رئيس عندما فعل “الحزب” ما يشاء، أما الآن، فهناك رئيس وحكومة ويعني ذلك أنها مسألة صدقية لهم. وباريس ترى ضرورة نزع سلاح “الحزب” لكن بالحوار والتشاور.
كما علمت “الشرق الأوسط” أن مروحة الاتصالات، التي تولاها بشكل أساسي الرئيس عون، لتحييد لبنان وعدم الزجّ به في الحرب، تتلازم مع انصراف القيادات الأمنية الرسمية إلى الاتصال بالفصائل والمجموعات الفلسطينية على اختلافها، وإبلاغها رسالة سياسية واضحة تحت عنوان تحذيرها من اللعب بالنار، لما يترتب عليه من موقف لبناني رسمي يتجاوز الإنذار باتخاذ تدابير رادعة، استبقها بزنار من الإجراءات المشددة حول المخيمات، خصوصاً عين الحلوة.
في الأثناء، قالت مصادر لبنانية رسمية إن الاتصالات تشمل حركتَيْ “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، إضافة إلى الجناح العسكري لـ”الجماعة الإسلامية”، من دون أن تستثني بعض الفصائل والمجموعات الفلسطينية المتشددة بوصفها من أصحاب السوابق في إطلاق الصواريخ.
إذ، لفتت المصادر عينها، إلى أن الاهتمام الرسمي اللبناني بعدم توريط البلد في هذه الحرب، “يترافق مع تحصين الساحة الداخلية؛ باتخاذه الإجراءات الاحتياطية الاستباقية للحؤول من دون حصول اختراقات من شأنها أن تعيد لبنان ساحةً لتبادل الرسائل، التي يراد منها تصفية الحسابات، وإقحامه مجدداً في صراع المحاور”. وقالت إن “الحرب تدخل حالياً مرحلة من الاستنزاف مفتوحة على أكثر من احتمال ما لم تتحرك الوسائط الدولية لوقفها”.
في سياق متصل، كشفت المصادر عن أن تحييد لبنان عن الحرب سيحضر بامتياز على جدول أعمال لقاءات السفير توم براك في زيارته الموعودة إلى بيروت. وقالت إن الجانب اللبناني أُبلغ بموعد وصوله، “وهو يتحفّظ عن الكشف عنه لأسباب أمنية”. وقالت إن محادثاته كانت “محصورة في ملف العلاقات اللبنانية – السورية، وسحب سلاح “الحزب”، وجمع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، شرطاً لحصره بيد الدولة، لكن اندلاع الحرب أضاف بنداً جديداً إلى محادثاته”.
الى ذلك، كشفت مصادر رسمية لبنانية عن أن “دولاً عربية أجلت معظم رعاياها من لبنان في اليومين الماضيين، ولا تزال تُسيّر بعض الرحلات لإجلاء من تبقى منهم”، لافتة في تصريح لـ”الشرق الأوسط” إلى أن “الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا لا تزال تتروى في دعوة رعاياها إلى مغادرة لبنان”.
سياسياً، ذكرت مصادر وزارة الخارجية لـ”اللواء”: ان التشكيلات الدبلوماسية جاءت شاملة وأعادت الانتظام الى السلك الدبلوماسي بعد 8 سنوات من تعثر إجرائها. وأصر وزير الخارجية يوسف رجي على تخفيض ٍكبيرٍ بعدد السفراء من خارج الملاك من14 الى6 مقارنة بآخر تشكيلات.
أضافت: تمّ حفظ معظم المراكز الاساسية لمستحقيها من السفراء من ملاك الوزارة. والاستعانة بخبرات من خارج الملاك كانت هي الاستثناء .كما تمت إعادة كل السفراء الذين تجاوزوا مدة خدمتهم القانونية في الخارج الى الادارة المركزية في بيروت التزاماً بالقانون. وتميزت التشكيلات بضخّ دمٍ في السفارات اللبنانية لمواكبة العهد والحكومة الجديدة.
كما اوضحت ان الوزير رجي وضع مسودة التشكيلات من دون أي تدخلات سياسية، وأدخل عليها تعديلات، أخذ ببعض الملاحظات ورفض ما لم يقتنع به. ويمكن التأكيد بأن كل المسؤولين المعنيين أبدوا تجاوباً وتعاوناً ومرونة، وجرى نقاش هادئ وبناء عندما قدم رجي مسودته، وكشفت المصادر عن ان الرئيس جوزيف عون فوض رجي إجراء ما يراه مناسباً لمصلحة السلك الدبلوماسي ولبنان، من دون مناقشة الاسماء، ولذلك كانت هي افضل الممكن، ووزير الخارجية راضٍ بشكل عام ومرتاح الضمير. والتشكيلات الجديدة تخطو خطوة في اتجاه إبعاد السلك الدبلوماسي عن الزبائنية، وهو ما يطمح اليه رجي.