














حدشيت… الكاملة
شيرها الآراميّ ينتظم صخرًا ونهرًا وسطرًا انتظام ليتورجيا البيعة الصَّخرية القاديشية وصخرها العموديِّ العملاق مُستَلهمُ التقاطيع من عمود شعريّ سريانيّ نظَّمه عميد شعراء السماويات والتَّساميات شمَّاس شمامسة بلاد ما بين النهرين افرام السريانيّ والشِّير المولود منذ عتيق الدهور مِن حشا قاديشا بتولة الوديان ينختم علوًا بشكل قرَّاية “شْحيم” ديريّ مارونيّ، مساحة صلواته السريانية بمساحة بيوت وكنائس رعيَّة الرومانوسيين، وحركات تسكين لغة الرب يسوع تلتحم باللهجة الحدشيتيَّة التحام الأبانا بالسَّلام، وسلام على كَرم الحرية واللبنانية مَن كان يترجَّل عن حصانه العنزاوي عند مدخلكِ وقيدوم الرجال يحييكِ راجلاً: “السَّلام عليك يا حدشيت الكاملة”!!
متكاملة التاريخ والجغرافيا
ما بين الجذرين اللغويين الفينيقي والأرامي، يتحيَّر بحَّاثة أسماء المكان المتحدِّرة الجذر من فهارس اللغات القديمة إن كانت حدشيت اسمًا فينيقيًا يرمز إلى حدَث أي الحديث والجديد مختصَرين بالعنوان القمري “حدَش القمر”، وللبدر الحدشيتي مقامُ مصباح سماويٍّ يضيُ ليالي الخاشعات والخاشعين فوق جبل منسكة جبل مار الياس نبيُّ لهجة الأبجد الحدشيتي السرياني، ذي اللفظ الاعجازي الذي لا تتقنه وتفقه خصوصيَّة تلفُّظِه إلاَّ ألسنيات أهلنا وأبناء خالتنا الحداشتة. وأمَّا شرح وتشريح أصول أسماء قرانا وبلداتنا بمنابعها السريانية فيؤكِّدان للباحثين عن أصل الأصل بأنَّ المعنى هو: “قمة شيت” أو “تاج شيت” وأنَّ لحدشيت في القمة والتاج ومنذ قديم الزمان، ما يرفع رأس القمم والتيجان، وهذه الأميرة تاج شيت تنبئ بسفر تكوين يجزم بأنَّ مفاتيح أبواب السماء ليست في جيب بطرس الصَّخرة فصخرة حدشيت فيما فيها من مُدهشاتٍ تسحب الروح إلى الفوق تقوم مقام خزانة أمينة على تلك المفاتيح. التاريخ في كل تلك النواحي الحدشيتية يكتب كتاب جغرافيَّته بنفسه ونفائسه، كذلك جغرافيا هذه الكاملة إنها تدون تاريخها بنفسِها وأنفاس أبرارها. وادي حدشيت هل هناك قرابة مع المدينة الأزلية أكثر نَسبًا من أديارها المعلَّقة ما بين السِّدر الأرضي والسِّدر السَّماوي. هل هناك شغفٌ لكواكب البريّة إلى محابسهم الأولى يفيض حنينًا كما تفيض أشواقهم للانحدار من غبطتهم الأبدية للإقامة في محابس دير الصَّليب العصي الوصول إلا على وجه الشمس ومحيَّا القمر وسحائب النور والبخور الواصلة عاصي صليب حدشيت بوجوه ربوات من زهّاد، أدركوا بأنَّ ليس بين كل خزنات دنيا البشر كنز يستحق الارتباط والاحتفاظ به، فسلسلة أديار الوادي الحدشيتي من دير القديسة شمونة ودير مار بهنام و دير مار أنطونيوس البادوي ودير مار أسيا جميعها تتكوَّن من أطروحة الرب المعلٍّم القائل: “إنَّ ملكوت الله يؤخَذ غِلابًا”، وحدشيت الكليّة الأيمان ترجو أن تُدرج هذه الآية في أساس قانون منظمة التراث العالمي!!
دانيال الحدشيتي الرمَّاح الأنطاكي
عميد بطاركة الأمَّة المارونية الشهداء وقيدوم أنطاكيا وثائر كنيسة الشرق والغرب، وفوق صخور كنيسة سيدة حصن أهدن مازال البطريرك الأول يوحنا مارون ومنذ نوار 1283 يقيم قداديسه يوميًا منشدًا عند رفعة الكأس: “يا دانيالاً بهيًا قرَّب ذاته عنّا”، ولا خمرة جوهرية في قداديس كنائس المارونية إن لم تكن ممزوجة بدماء الحَبر الحدشيتي الشهيد لولا دماؤه الأبوية الراعوية لكانت كؤوس بيعة مدينة الله العظمة واقفة تتقبل العزاء إلى جانب كؤوس كنيسة آجيا صوفيّا!
مار دانيال بطرس الحدشيتي طوباوي من دهره حتى أبد الدهر من دون تركيب طاولات لجان فاحصة لا تأخذ إلا بأدلَّة موقَّعة ببصمة أصبع توما.. وقلَّ ما يعنيها عتاب القائم من الموت بآثار المسامير: “طوبى للذين لم يروني وآمنوا”.
الحدشيتي دانيال أنتشل أمَّته من جبِّ المماليك وسقط في جبِّ الضواري المفترسة إلى جانب دانيال النبي، وقداسته ليست بحاجة إلى إثبات وقرار من روما تلكَ التي صلبت بطرس بالمقلوب وقطعت رأس بولس بشبيه سيف جزَّ عنق يوحنا المعمدان. روما تلك التي رمت المسيحية الأولى في ملاعب الوحوش ومسارح الدماء والأشلاء الممزقة بالمخالب والبراثن والأنياب. صليب النَّاصري ذاته كان الصَّرح البطريركي الذي سكنه دانيال الحدشيتي، ولا حاجة لصرح صروح أمَّة دانيال الحدشيتي وجبرائيل الحجولاوي بنزلاءٍ يفوِّضون التماثيل لأن تُصلب عنهم ويسعون للتكلُّل بأكاليل الظَّفر لكن بعيدًا عن أكاليل الشوك!!
حدشيت المقاومة اللبنانية
عام 1283 اتَّشحت الكاملة المباركة بجبَّة دانيالها اتِّشاحًا كاملاً وقد باع جبَّة كهنوته البطريركي كي يشتري بثمنه رمحًا يداوي به المسيحانية الشرقية، من آثار طعنة جنب مسيحها المطعون بالحربة، ومن تلك الأيام أخذت حدشيت على عاتقها عتق خبزنا كفاف يومنا من لوثة قبضات سيوف السلاطين، خبز شعب اعتصم ستمئة سنة بثالوث الأدهار والأديار والأشيار. ضمن نطاق ثالوثيَّة هذا التَّحصين الأقدس استلهم شعب قانون الإيمان بإله واحد آب ضابط الكل، كتابة بنود قانون كفره المؤبَّد بثلاثية الذميَّة والتَّقيَّة والبنطيَّة إشعالاً لروح شعب يعرف أن يموت إن كانت الحياة طأطأة رؤوس وتأتأة ألسن في عزِّ ثورة الصوت الصّارخ في البادية والتمدنيَّة معًا. هو الشعب العالم المتيقِّن بأنَّ لا صعودًا إلى القيامة والحياة إلاَّ من سلالم الصّعود إلى أعلى مراتب الصَّلب فوق الصلبان!
حدشيت أميرة إمارة العواصي العصيَّة والعواصف الأبيَّة العصاميّة، تمتنع وتتمنَّع عن أيَّة صلة قرابة مع أمراء الأبراج السلطانيَّة.
إنَّهم أهلنا وأبناء خالتنا الحتاشتة قد مزَّقوا بأيديهم وأقلامهم كلّ كتاب مُشتبه به أنَّه مُختصٌ بتدريس علوم التوثين والتَّصنيم والتأليه، فشفيع رعيتهم في الوطن والاغتراب كان ضحية تألُّه الولاة المتصنِّمين ورومانوسهم الشهيد قد أمدَّهم ويمدَّهم بخبرة إغلاقه جميع الأسواق الصَّنمية عن بكرة آل بيكٍ وشيخ وأمير، ولحدشيت بصيرة تبرق بيضاء كأسبوع الحواريين والعين الحدشيتية أمهر مَن قفز فوق حواجب القصور في فراسةٍ لمَّاحة تصيب أشكال وجوه الحجّاب.
حدشيت ربَّة من ربَّات المقاومة اللبنانية والمقاوم اللبناني لا رب ومثال إلاَّ الذي عُلِّق على خشبة، أمَّا الأرباب المتعلِّقون بأذيال العروش وأرجل الكراسي فلا سلام بينه وبينهم ولا كلام. وحدشيت كانت وتبقى نخبة كليّات وجامعات تُخرِّج للبنان أجيالاً من مقاومين، ترقَّى بهم وارتقى إلى شهادة الدم والروح وأيَّة شهادات علمية وأدبية تملك حق التشابه مع شهادة متخرِّجة من جراح ونعوش الذين ماتوا لتحيا بلاد الأرز
وطنًا وليحيا الوطن أرزًا!
القوات اللبنانية في حدشيت ذات أصولٍ تعود إلى يوحنا مارون أب عام المقاومة اللبنانية، كما تعود إلى صلب دانيال الحدشيتي ومحرقة جبرائيل الحجولاوي، وأمَّا بطاقات الانتساب فهي تفصيل طالما انتساب الحدشيتيات والحداشتة متَّصل بانتساب جزع شير مار مانوس إلى جذع وادي المبخرة الحدشيتية المسكونية، ذات السلاسل المتَّصلة البخور بباسق طول الأشجار الجوريّة، ولو تعود بشارة الفصل لنصاعة بياض دخان مبخرة وادي حدشيت، لكان قياس الذين أعطي لهم مجد لبنان قريبًا ولو بالحد الأدنى من مقاس قامة وهامة دانيال الحدشيتي!!
رعية أبو ريشه الحكيم:
بين ليل وفجر الرابع من كل أيلول، تتحول حدشيت العيد والأجراس والنذور والشموع إلى مستشفى إيمانية شعبية أيلوليَّة لا مثيل لها بين مستشفيات وجامعات طبيَّة لا تكترث علميَّتها لعاطفة عجائبية ذلك الصوت: “باسمي تضعون أيديكم على المرضى فيشفون”. ليل الرابع الأيلولي، جموع من معظم مناطقنا تحتشد من أول مفرق حدشيت الضيعة حتى ساحة الكنيسة، جاءت تنذر وتبتهل وتستشفي والحكيم واحد وحيد أسمه الشماس رومانوس الشهير بأبو ريشه المتحدِّر مِن إحدى عائلات أشراف قيصري، بلاد الأراضي المقدسة بمواطنة يسوع ابن الأنسان في حياته المستترة ثلاثين سنة والمعلَنة ثلاث سنوات، وما أشبه الجموع التي تبعت المعلم بهذا الجمع الوافد من كلِّ صوب وناحية وعينه الخاشعة على سلسلة كهنة يتوالون على رفع القداديس من مساء العيد حتى صباحه وطوال نهاره، وريشة الحكيم الشماس الشهيد لا تخيب ولا تخيِّب وللشفاءات المُثبتة الموثَّقة حكايات وشهادات وصدق إيمان آباء ناذرين وبساطة تقوى أمهات ناذرات، ومَن من زوار أيلول رومانوس الحدشيتي لم ينطرب نفسًا وروحًا وذاكرة ورجاءً لرائعة تلك الرديَّة الشعبية ذات الإيقاع الأيماني الأفعل من أفعل دواء:
“مار رومانوس يا حكيم
تشفي المرضى أجمعين.
مار رومانوس والقدره
تشفينا بجاه العضرا”.
ليلة الرابع من أيلول ها هو الشفيع الوفيُّ يمد ساحة العيد إلى ساحة جبهة قنات شباط 1980… وإلى ساحة جبهة بحمدون أيلول 1983 فرومانوس شيخ الشباب الشهداء لا يرتضي إلاَّ أن يكون عيده عيدًا لطوني بطرس إيليا.. ولطوني صديق وردان.. وأمَّا أسكلبازوس الوالي المتصنِّم المضَّهد السفّاح، فإجرامه الوثني متواصل في شرق الآلهة الدائمي الانتصار!!
حدشيت حدشيتنا
أيام طفولة مريرة مررت فيها بأخطر مطبّ مرضيّ نتيجة فشلٍ كلويٍّ حتى ذوبان الكليتين، جزم الطُّب بأنًّ عمري القصير ذات الخمس سنوات سيُطبق عليه الموت بين لحظة ولحظة.. لكنَّ استغاثة دموع أمي التي ترافقت شبيَّتها مع شيبتها عمرًا نقيًا تقويًا كاملاً، وصلت بأكملها إلى “بو ريشه الحكيم”، وعدت إلى الحياة بعجائبية أذهلت أطباء ذلك الزمن.. وفي عمر الحادية عشرة مررت بمطَبٍّ مرضي أخطر من الأول نتيجة جرثومة أنهكت حنجرتي وأيضًا كانت الثقة متبادلة بين إيمان أمي والحكيم الحدشيتي فنذرتني لشفاعته طوال العمر..
ومن مجمل عمر التزامي المقاومة والقوات اللبنانية منذ 13 نيسان من العام 1975، أنعم ربُّ الوزنات عليَّ بدزينةٍ سنواتٍ حدشيتيَّةٍ من ربيع 1994 حتى 26 تموز 2005 وكم أوجعني التنظيم الحزبي الجديد يوم أنزلني من حدشيتي وأعادني إلى منطقة زغرتا الزاوية ووجع فراق أخوة حتاشتة ورفاق يشهد الضمير الميروني والوجدان الزيتي، أنهم الأشد بأسًا بين الرجال، وأنهم الأنبل والأشرف في دفع أفدح الأثمان وأخطرها في التزام سيرة ومسيرة 1600 سنة من قوافل القداسة والبطولة والحرية المرفوعة بآلاف كؤوس القرابين.
وإننا يا حدشيتنا على تنسُّكنا لأمانة أبينا وقائدنا دانيال ثائر كنيسة الشرق والغرب، وفوقنا يلوح بيرق آية بولس رسول الأمم حتى قطع الرأس: “قد تممنا سعينا وحفظنا أيماننا”!!!