.jpg)
لطالما عشنا في كنف “البروباغاندا” التي أغرقتنا بعبارات رنّانة مثل “توازن الرعب”، “معادلة الردع”، و”كبسة زر تُدمّر إسرائيل”. بل وصل الأمر بالبعض، قبل مقتل السيد نصرالله، إلى حد الزعم بأن استهدافه سيكون علامة من علامات “يوم القيامة”. لكن ما حدث هو أن “القيامة قامت على “الحزب”، ولم نشهد أي تطبيق لتلك الشعارات الفارغة، ما يطرح تساؤلات جدية حول حقيقة القدرات وصدقية التهديدات التي طالما رُوّج لها.
دعونا نعود معًا إلى السابع من تشرين الأول 2023، عندما فاجأت حماس إسرائيل بعملية غيرت تداعياتها معالم غزة، ونفضت غبار “وحدة الساحات” عن الشرق الأوسط. في تلك اللحظة الحاسمة، لو أطلقت إيران العنان لصواريخها “سجيل” و”خيبر”، ولو رفعت الفصائل العراقية مسيّراتها في وجه إسرائيل، وأرسل “الحوثي” صواريخه الباليستية من اليمن، ولو أن “الحزب” أرسل “الفرقة الموسيقية” لاحتلال الجليل بمواكبة الصواريخ التي زعم السيد نصرالله أنها تدمّر وزارة الدفاع الإسرائيلية، هل كانت حرب غزة ستستمر حتى يومنا هذا؟، هل كان نصرالله ليُقتل؟، وهل كانت عقاقير اليورانيوم الإيراني ستُدفن تحت جبل فوردو؟.
بالتأكيد، كان الوضع ليكون مختلفاً تماماً عما أصاب “محور المقاومة” اليوم. فـ”كبسة الزر”، التي تملك إيران وحدها قرار تحريرها، لم تتحرك لنصرة غزة، ولم تتحرك لنجدة “درّة تاج” المحور الإيراني، أي “الحزب”، وبدلاً من ذلك، تركت إيران الساحات مكشوفة أمام أنياب إسرائيل، التي استفردت بها وافترستها واحدة تلو الأخرى، وباتت طريق إسرائيل نحو منشأة فوردو النووية الإيرانية سالكة، والأجواء الإيرانية مسرحاً حراً للطائرات الإسرائيلية، من دون أي تهديد حقيقي أو ردع فعلي.
إن التداعيات الكارثية لهذا التقاعس لا تقتصر على خسارة الأرواح والدمار المادي، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية. فقد أظهرت الأحداث أن “توازن الرعب” المزعوم كان وهماً، وأن “معادلة الردع” التي لطالما تغنّى بها “الحزب” لم تصمد أمام الاختبار الحقيقي. هذا الانهيار في التصورات الاستراتيجية يدفعنا للتساؤل عن مدى القدرة الحقيقية لإيران وحلفائها على تحقيق الوعود التي يطلقونها.
ما هو مؤكد وواضح، هو أن “كبسة الزر” الإيرانية، التي أتت متأخرة، هي التي دمّرت “الحزب”، وقضت على غزة، وأنهت أحلاماً إيرانية بدأت منذ العام 1979. الفرص الكبرى لا تأتي إلا مرة واحدة، وإيران لم تستغلها. لقد كانت لحظة فارقة، كان بإمكانها أن تعيد تشكيل المشهد الإقليمي، لكن التردد أو الحسابات الخاطئة أدّيا إلى نتائج وخيمة.
