نحو التصعيد باتجاه إيران، يتجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما يبدو، وبخطوات ثابتة، على ضوء عدم تجاوب النظام الإيراني مع الفرص التي يقدّمها له. فترامب استبق اللقاء المرتقب مع زعماء حلف “الناتو” والكلمة التي سيلقيها خلال الاجتماع، بتصريحات بارزة من واشنطن فجر الإثنين بتوقيت بيروت، عكست ثقته الكاملة بما حققته الضربات الأميركية التي تلقتها المنشآت الإيرانية الثلاث (فوردو، نطنز وأصفهان)، مشيراً إلى أن الدمار كان هائلاً، وصور الأقمار الاصطناعية التي التُقطت بعد الضربات التي نفَّذتها الطائرات الأميركية تُظهر ما يشبه الإبادة للمنشآت النووية، والدمار الأكبر في فوردو وقع في الطبقات السفلى.
لكن لعلّ الأبرز في الموقف “التصعيدي التصاعدي” لترامب تجاه إيران، ما نشره عبر حسابه على منصة “تروث سوشيل”، حيث بدا كمن يفتح الباب على تغيير النظام الإيراني ما لم يرضخ لشروطه. فعلى الرغم من أن ترامب أشار إلى إنه “ليس من الصحيح سياسياً استخدام مصطلح تغيير النظام”، لكنه تابع، “إذا كان النظام الإيراني الحالي عاجزاً عن جعل إيران عظيمة مجدداً، فلماذا لا يكون هناك تغيير للنظام؟”.
بالتالي، لا يمكن عدم ملاحظة هذه التلميحات اللافتة والرسالة التي أراد ترامب إيصالها لجهة تغيير النظام الإيراني، خصوصاً وأنها أتت مستوحاة من شعاره المعروف لحملته الانتخابية “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً Make America Great Again” واختصاراً “MAGA”، إذ ورد في ما نشره حرفياً ” Make Iran Great Again” خاتماً بـ”MIGA”.
من هنا، هناك أسئلة جدية كبرى حول مستقبل النظام الإيراني، وحول الاحتمالات الجدية المطروحة على هذا الصعيد. فهل تنزلق الأمور في أي لحظة إلى حدٍّ يصبح رأس النظام الإيراني على المحك؟، هل يستمر النظام الإيراني بقراءاته الخاطئة للتحولات الكبرى والاستراتيجية الأميركية الحاسمة ويُقدم على ردود “غير محسوبة” على الضربات الأميركية، فيستدعي ردّاً أميركياً يضع مصيره ومستقبله بالذات على المحك؟.
الكاتب والمحلل السياسي مروان الأمين، يلفت إلى أنه “إذا أردنا مقاربة سياسة ترامب بشكل موضوعي، نلاحظ أنه دائماً منسجم مع نفسه لجهة اعتماد سياسة “العصا والجزرة”. بمعنى أن ترامب قدَّم “الجزرة” للإيرانيين وأعطاهم فرصة الـ60 يوماً للوصول إلى حلٍّ، لكن الإيرانيين لم يتفاعلوا إيجاباً مع هذه “الجزرة”، فأعطى ترامب “العصا” للإسرائيليين في اليوم الـ61 وضربت إسرائيل إيران”.
يضيف الأمين، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني: “عند هذه النقطة تغيّرت كيفية مقاربة سياسة “العصا والجزرة”. فما حصل أن “العصا” وُضعت في يد إسرائيل وقامت باستعمالها، لكن لم يكن باستطاعة إسرائيل الإقدام على هذه الخطوة بضرب إيران إلا بضوء أخضر أميركي. في حين قدَّم ترامب في هذا الوقت “جزرة” مختلفة للإيرانيين، فرصة ثانية، فدعاهم إلى عقد اتفاق والتوصل إلى “صفر تخصيب” لليورانيوم وينتهي المشروع النووي الإيراني وتنتهي المسألة والحرب”.
يتابع الأمين: “لجأ ترامب في عرضه لهذه الفرصة الثانية على الإيرانيين لوساطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال الاتصال الذي تم بينهما، وبوتين أوصل الرسالة إلى الإيرانيين نقلاً عن ترامب. هنا أيضاً لم يتجاوب الإيرانيون مع هذه “الجزرة” الثانية، عندها ذهب ترامب إلى الخطوة التالية والتي تمثّلت بإطلاق الطائرات الأميركية الاستراتيجية وتوجيه ضربة للمشروع النووي الإيراني، وإنهائه تقريباً عملياً”.
الأمين يشير، إلى أنه “بعد انتهاء الضربة الأميركية على المفاعلات النووية الإيرانية الثلاثة وفي الكلمة التي توجَّه فيها ترامب إلى الأميركيين والعالم، يقول حصلت الضربة ودمّرنا المشروع النووي الإيراني والآن باتت هناك فرصة للذهاب نحو السلام وإنهاء الحرب. لكن حتى الآن، يبدو أن الإيراني لم يتجاوب بشكل إيجابي مع الفرصة الجديدة التي يعرضها ترامب”.
الأمين يعتبر، أن “هذه الخطوة الجديدة من جهة ترامب بالذهاب نحو السلام، بعد ضرب المفاعلات النووية الإيرانية، كانت “الجزرة” الجديدة لإيران. أما التغريدة الأخيرة وحديث ترامب عن الـ”MIGA” و” Make Iran Great Again” وأن لا مشكلة لديه في حال تغيير النظام الإيراني، فهذه بمثابة “العصا” الجديدة التي يلوّح بها”.
في هذا السياق، يوضح الأمين أن “تطور مقاربة سياسة “العصا والجزرة” لدى ترامب، مرتبط بتوقيت محدَّد، أي أنه حين تنتهي مهلة كل عرض لاتفاق يقدّمه إلى إيران ينتقل إلى استخدام القوة، أي إلى “العصا”. مع العلم أن استخدام القوة والعنف يحصل بشكل تدريجي وتصاعدي، لجهة أنه بعد كل جولة عنف يقدِّم ترامب عرضاً جديداً للإيرانيين، ففي حال تجاوبوا معه لا يذهب باتجاه تصعيد أكبر وأوسع”.
يضيف الأمين: “أما في حال لم يتجاوب الإيرانيون، أو في حال قاموا بردة فعل على الضربة الأخيرة للمفاعلات النووية بشكلٍ مؤذٍ للأميركيين، كاستهداف سفارات أميركية أو رعايا أميركيين أو ضرب قواعد أميركية وسقوط جنود أميركيين قتلى، أو بما يشكل خطراً على الاقتصاد العالمي كإقفال مضيق هرمز أو باب المندب أو غير ذلك، فهذا تطور كبير وخطير جداً، وترامب سيذهب عندها باتجاه تصعيد جديد على المستوى العسكري”.
واستطراداً في هذه النقطة أيضاً، لا يستبعد الأمين “احتمال أن يكون ترامب من جهة ثانية، غير ممانع إذا أراد الإيرانيون مخرجاً للوصول إلى تسوية بأن يقوموا بضربة محدودة بالتنسيق مع الأميركيين لحفظ ماء الوجه لهم، على غرار الاتفاق غير المعلن الذي حصل بعد القضاء على قاسم سليماني والذي كشفه ترامب في وقت لاحق، في هذه الحالة قد لا يكون هناك مشكلة بالنسبة لترامب. بالتالي، تلويح ترامب “بالعصا”، ألا وهي وضع مصير النظام الإيراني على المحك، يأتي في هذا السياق، في حال لم يتفاعل الإيرانيون بشكل إيجابي مع المبادرة باتجاه السلام التي أطلقها بعد ضرب المفاعلات النووية الثلاثة”.

