#dfp #adsense

“النزف البرتقالي”.. وأسئلة الفرصة المتاحة حتى انتخابات 2013…”السفير”: “التيار الحر” بين “إصلاح” الذات… و”تغيير” الإدارة السياسية

حجم الخط

كتبت كلير شكر في صحيف "السفير":

لنتأمل المشاهد الآتية:

-رؤساء بلديات كسروان في ضيافة معراب، بعضهم القليل ممن يدين بالولاء لرئيس حزب «القوات اللبنانية» د.سمير جعجع، وكثير منهم يفترض أنه يفضّل اللون البرتقالي على غيره من الألوان السياسية، فإذا به يحاول تذوق أطباق جديدة غب الأيام المقبلة.

– حزب الطاشناق يحيي أوراق ماضيه، ليحط رحاله في «العمارة»، في مكتب «دولة» ميشال المر تحديداً، تحت عنوان تنشيط مروحة اتصالاتهم مع كافة القوى اللبنانية. وعملياً لا تقفز حساباته فوق الاستحقاق النيابي في العام 2013.

– العماد ميشال عون يقول بالفم الملآن إن إقالة شربل نحاس خط أحمر، وتساوي بنظره الحكومة مجتمعة. فيرسم بملء إرادته معادلة وجودية: إما هذا الوزير الإصلاحي وإما الحكومة.

تلك الحماسة التي ضخّها «سيد الرابية» في عروق متابعيه، كانت كافية لإشاعة جو من الإحباط، لا بل لإشعال وقود الامتعاض من قرار التخلي عن نحاس لحظة المساومة بين رأس «الوزير الأحمر المتمرد» وبين مصير «تفاهم جنين».
قدم «الجنرال» بنفسه مادة دسمة للتصويب على «تكتل التغيير والإصلاح»، وبدا في لحظة سياسية معينة «براغماتياً» إلى درجة عدم تقبّل جمهوره لانقلابه السياسي المفاجئ.

شربل نحاس على أهميته الاستثنائية بين «متساوين»، لم يكن بحد ذاته القضية، بل النقطة التي جعلت كوب الاعتراض يفيض في قواعد «التيار الوطني الحر»: كيف يمكن تطيير رجل بنزاهة نحاس ومبدئيته؟ كيف تعاطى «الإعلام البرتقالي» مع الأزمة النحاسية وتداعياتها الشعبية؟ كيف واجهت القيادات العونية تساؤلات الجمهور وانتقاداته؟ لماذا صُوّر «التيار» كالوحش الكاسر؟ لماذا عجز عن الدفاع عن نفسه؟ لماذا هذا التدهور الدراماتيكي والتراجع السريع؟ أين هم الحلفاء؟

هذه الصورة الثلاثية من معراب الى الرابية مرورا بـ«العمارة»، تقود الى ملاحظات ودلالات عدة.

الإدارة السياسية أولا. من هنا تبدأ المشكلة وإليها تعود… حلقة متصلة الحبّات، تبدأ بالصورة التي يقدّمها «التيار» عن ذاته، وتمرّ بآليات تنظيمه الداخلية، لتنتهي بعلاقته مع حلفائه.

للوهلة الأولى بدت قيادات هذا الفريق، من وزراء ونواب وكوادر حزبية، في حالة صدمة. بعضها حزين على المصير الدراماتيكي للوزير نحاس، وبعضها سعيد لتلك النهاية. لكن الجميع يشكون من شحّ في المعطيات التي تبرر السيناريو الانقلابي، ويخشى أن يكون ما حصل مع الوزير المشاكس درساً لكل من يعصي أوامر الرابية.
ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها «الطاقم البرتقالي» إلى الاجتهاد في مرافعاته الدفاعية عن أداء قيادته، عندما يعجز عن دفع الأخيرة إلى مشاركته في بعض «الداتا» المفنّدة للأوضاع الاستثنائية. وليست المرة الأولى التي يضيع فيها الإعلام البرتقالي بين حابل الدفاع عن قيادته، ونابل الانسياق وراء نشأته الإصلاحية، فيتجمّد في مكانه، عاجزاً عن فصل الخيط الأبيض عن الأسود، وكأنه واحد من الجمهور، وليس الصوت المؤثر فيه.

هنا، تتكدس الملاحظات على الأداء الإعلامي. «الجنرال» يعشق الكاميرا والطلات الجماهيرية. حاضر دوماً للخطاب. جاهز باستمرار للوقوف خلف الميكروفون. قد يكون واحداً من أنجح السياسيين في استخدام المنبر، ولكن كثافة الطلات معبر للهفوات والأخطاء، التي صارت فاقعة.

النقطة الثانية في معرض تقييم الأداء الإعلامي، استخدام الإعلام للمناورات السياسية قد لا يكون نافعاً في كل المرات، لأنه إمّا يفرض على القيادة أن تصبح أسيرة موقفها، أو يظهرّها بمظهر الخاسر إذا ما اضطرت في المفاوضات النهائية إلى تقديم تنازلات. وفي كلتا الحالتين، لم تقتنع القيادة العونية بعد، بأن الإعلام ليس الملعب المناسب دوماً للتصعيد السياسي. وبمعزل عن هذه أو تلك، يُترك الإعلام البرتقالي على هداه، فيترنح يمنة ويسرة بحثاً عن كلمة سر تساعده في تكوين الرأي العام، لكنها لا تأتي فيغرق في معظم الحالات في مستنقع الغموض، فيضيع ويضيّع معه الجمهور.. و«الرسالة» المطلوبة!

قد تكون من المرات النادرة، التي يبدو فيها «النزف البرتقالي» مَرَضياً، يستدعي علاجاً متكاملاً. إذ منذ عودة «الجنرال» من منفاه الباريسي، في ربيع العام 2005، تصاب محاولات البناء التنظيمية في «التيار الوطني الحر» بجدار سميك من العقبات، الداخلية طبعاً، التي تحول دون انتظامه في قالب مؤسساتي يسيّر عمله بشكل أوتوماتيكي، ويساهم في تحصينه أولاً وتوفير فرصة نموه جماهيرياً ثانياً. مرة واثنتين وأكثر، والنتيجة استمرار حال الفوضى التي أنتجت الظواهر الآتية:

– انكفاء مجموعة عونية عن العمل التنظيمي، حيث قررت اللجوء إلى البيت هرباً من «مواجهة» لا تقدّم ولا تؤخر، بل تزيد من «الحرقة» في القلب، ففضلت الانعزال عن حلقات الرفاق، علّ الأيام تقدم ما لم يستطع العونيون القيام به.

– انتقال مجموعة أخرى إلى صفوف الخصوم، بما قد يحمل ذلك من تسرّب لأسرار وأفكار، وذلك وفقاً للمواقع التنظيمية لأعضاء تلك المجموعة.

– مجموعة ثالثة تسكنها «النقزة» من الرابية و«حاشيتها»، تاركة للمسافات التي تبعد بينه وبين القيادة.

– مجموعة رابعة أكثر «براغماتية» إلى درجة فتح خطوط التواصل مع الغير، حلفاء وخصوما، من باب إنشاء شبكة أمان تقيها شر المجهول الذي قد يحمله المستقبل.

إذاً العلة صارت معروفة، والدواء أيضاً. يبقى القرار في العلاج أو عدمه. رأيان يتجاذبان «التيار» في هذه المسألة: هناك من يعتبر أنّ المرض صار من فئة «الفالج» الذي لا تمكن معالجته، وأن ضغط القاعدة يُتعب أكتافها لكنه لا يزعج أبداً آذان القيادة، ويفترض بالتالي تعميم سياسة النجاة الفردية من احتمال غرق السفينة. في المقابل، هناك من يتمسك بالإصلاح الداخلي، ولو أن تصحيح الاعوجاج صار أصعب وأكثر كلفة… ويعتقد هذا الفريق الوازن أن الفرصة «ما زالت متاحة وعلينا ألا نضيعها كما فعلنا في مرات سابقة، وإذا نجحنا على الصعيد الداخلي، تصبح باقي العلاجات سهلة».

يبدو أن الصراحة صارت «عملة نادرة» بيدي من يحمله موقعه إلى الجلوس في صالون الرابية، فيُسمع سيدها ما يحب سماعه، ويحجب عنه ما يعكّر مزاجه. حتى، ما يفضفض به العونيون في مجالسهم الضيقة، لا يشبه أبداً ما يحملونه إلى رحاب الرابية. وعليه، لا يصل نبض الشارع إلى القيادة العليا لأنّ قلة نادرة من ناس تتجرأ على نقل الجانب القاتم من الصورة إلى صاحب الأمر والنهي.

وما يزيد من تعقيد الصورة، اعتقاد البعض أن «لغة التأفف» محصورة فقط بالحلقة البرتقالية، ويغيب عن بالهم أن صالونات الحلفاء والأصدقاء تفيض بالشكاوى من أداء «التيار» و«ضباطه» من وزراء ونواب و«كوادر وسطية». تكفي استعادة سريعة لشريط العلاقة المتقطعة ـ المتقاطعة مع أولئك الذين يجلسون حول «الجنرال» على طاولة «التغيير والإصلاح»، ومع الحليف «حزب الله» الذي يربطه به «تفاهم» استراتيجي ومع «حليف الحليف»… لوضع الإصبع على جرح عميق يسود آليات التواصل مع الحلفاء.

مع «الطاشناق» الأرمني، لا صوت يعلو فوق صوت الحسابات الانتخابية. مع «المير» طلال ارسلان، الطلعات تساوي النزلات، والحلف ليس في «الجيبة». مع القطب الزغرتاوي سليمان فرنجية، الخشية من القضم البطيء للقاعدة المشتركة، لا يزعزع القناعة العميقة بأهمية التحالف، والتواصل على المستوى الشخصي في أحسن حالاته، ولكنه عندما ينزل درجة إلى مستوى الكوادر، تضيع الطاسة، علما أن ثمة من يأخذ على «التيار» عدم نجاحه بطمأنة «المردة»، والدليل أن كثيرا من المعارك لا تخاض بتنسيق مشترك وآخر نموذج جلسة مجلس النواب الأخيرة، عندما غاب فرنجية وسليم كرم (الأول كان في رحلة صيد والثاني غير موجود على السمع)، ليتبين أن أحدا لم يضع هذا الحليف بخارطة طريق الجلسة التي طار نصابها بفضل «تكتل الإصلاح»!

مع «حزب الله»، «الجنرال» خط أحمر، ولكن اختلاف الأولويات يسمح لشيطان التفاصيل أن يظهر في بعض الأحيان. مع الرئيس نبيه بري، سجل حافل بالمناكفات، تبدأ بتمرير ماء بعض التعيينات من تحت قدمي الرابية، ولا تنتهي بالاشتباك الكهربائي، وما بينهما من عراك انتخابي. وإذا ما قدّر لـ«تفاهم الخبز والملح» الذي جمع الرجلين مؤخرا، بمسعى من «الصديق المشترك» جيلبير شاغوري، أن يبصر النور، فإن تساؤلات بعض الخبثاء تصبح مشروعة: لماذا انتظر الرجلان أكثر من ست سنوات كي يتصارحا ويتصالحا؟ ألم يخسر الفريقان الكثير من المعارك المجانية التي كان من الممكن تفاديها لو تم اعتماد لغة الحوار الصريح؟

هي الإدارة السياسية تفعل فعلها من جديد. التنسيق مع الحلفاء تحوّل خلال الفترات الأخيرة إلى أشبه ما يكون بجلسات قهوة صباحية، يغيب عنها الكلام السياسي حول خطة جدية وقائية تُنقذ الأكثرية من مفاسد «السلطة» ومساوئها، ليقتصر على مخارج تحريرها من ورطات الانزلاقات المتلاحقة.

ولهذا، فإن هذا الفريق، «بكامل أطيافه، يدرك جيداً أنه محكوم بضرورة القيام بمراجعة متكاملة لعلاقات مكوناته، وبنفضة شاملة لأدائه السلطوي، علّه يتمكن من كسب بعض الوقت قبل أن يبدأ «سباق الأكثرية الجديدة» في صيف العام 2013».

 

المصدر:
السفير

خبر عاجل