












بيبلوس جميلة جميلات مملكة فينيقيا الجالسة ملكةً والبحر الفينيقي الأبيض عرشها الأزرق، ومن تاجها استوردت سائر الممالك لؤلؤة الحرف وصفد الأرجوان. جبيل البيبلوسيَّة وهذا الجناس الرهيف بين اسمها وآيات البيبليا التي أتاها بها الإنجيلي يوحنا مرقس البشير وهو الركن الثاني بين أركان الإنجليين الأربعة، كما أنَّه الأفعل بين التلامذة الإثنين والسبعين الذين تكاملوا مع الإثني عشر أوائل التلاميذ الذين التحقوا بمدرسة قد اصطفاها المعلم الرب وثبَّت مناهجها بين شاطئ الصيادين ومراكب الصيد وبحيرة الشِّباك الملقاة في عمقها المضمون بالصَّيد الوفي، ذاكرة التلميذ يوحنا مرقس كانت إحدى الأمينات الأربعة المؤتمنات على سرد حياة ابن الله والإنسان تساندهم في سردهم الأمين ذاكراتهم الإنسانية البشرية
البحتة، من دون طموحهم بالحصول على امتيازات التَّنزيل والوحي والغيبيات، وابن ألوهة المحبة والأبوَّة والبنوَّة عايشهم وعايشوه، يشاركهم جسد اللحم والدم والتعب والجوع والعطش والألم وكامل أحاسيس الفرح والحزن، متَّصلاً متواصلاً معهم ومع المسكونة جمعاء بموعد الموت الآنيِّ وبوعد القيامة والصعود: “أنا متى ارتفعتُ جذبتُ إليَّ كلَّ أحد”!!
أطلال وثنية وعمران صليبيِّ
فوق أنقاض معبد وثني أطاح به زلزال العام 555 م. نهض بنيان كنيسة جبيليَّة شفيعها القديس يوحنا مرقس الرسول في سنةٍ رجَّحها البحَّاثة أنَّها في العام 1115 ميلادي، وذلك بعد أحد عشرة سنة من وصول ودخول فصيل صليبي إلى مملكة جبيل، كان جزءًا من توالي الحملات الصليبيّة ودخولها الشرق، شرق بيت لحم والناصرة وجبال الجليل والتجلي والصَّلب. عام 1104 أصبحت المملكة الجبيلية في عهدة حاميَّة صليبية تزوَّدت ببرنامج تنظيم إداريٍّ يكافح الفوضى، وتخطيط هندسيّ عمراني يزيل خرائب كل ما سبق أن تزعزع وتهدَّم وتخرَّب واندثر، فكانت الأولويَّة العمرانية تشييدًا لكنيسةٍ حصينة على اسم يوحنا مرقس البشير، يليق بمملكة بيبلوس بشيرة الأبجدية الاولى، لكنَّ آية كنائس الأبرشيَّة الجبيلية تجرَّبت بزلزال كان أشبه بذلك الرجيم الذي جرّب يسوع في بريَّة صومه الأربعيني، هادمًا منها جناحًا لم تتردد الإدارة الصليبية من إعادة وصله وتثبيته في العام 1170.
ها هي مملكة جبيل تشهد على زوال زمنٍ صليبيٍّ بأكمله وانسحاب آخر فرسان الصَّليبية من قلعتها، وما مَن يعتقها ويعفيها من دفع جزية مادية وروحية وحضارية وعمرانية لا شأن لها بها ولا بأسبابها ولا بنتائجها، وليست هيَّ من خطط لحروب كرٍ وفرّ وإله يثأر من إله، فألهها المصلوب يشاركها صلبها.. أوجعت أرضها أقدام الغزاة وتوالت عليها الغزوات، من صلاح الدين الأيوبي، إلى جزَّاري المماليك، إلى إنكشارية السلطنة العثمانية، فضاعت معالم التواريخ، وتطايرت الوثائق الدّامغة بين اختفاء وإخفاء، فطوال نيِّف ومئتي سنة تشرَّدت حضارة أقدم المدن المأهولة وتاهت تبحث عن ملاذٍ آمن ومكان مستور كي تحمي من كنوزٍ لم تدسها الخنازير.. وأفظع ما ارتكبه هيجانهم، تحويلهم كنيسة مار يوحنا مرقس إسطبلاً لخيول الوبش العثماني، فذاقت مرارة ما ذاقته آيا صوفيَّا!!
يوحنا مرقس راهب لبناني ماروني
بحلول روح قدس العام 1764 من القرن الثامن عشر، سلَّم الأمير يوسف شهاب وقفية خرائب كنائس جبيل لأمانة وزنات الرهبانية اللبنانية المارونية، وهي تاريخًا وحاضرًا رهبانية الأمانات المحفوظة بالصَّون والأمان، وهي رهبانية الوزنات الموزونة دمًا رهبانيًا ضاهى دماء المسيحية الأولى، وهي رهبانية تحويلاتٍ كعرس قانا الجَّليل، حوَّلت الماء زيتًا لصلواتٍ شربليَّة ليليّة وصلت عجائب أصدائها إلى جميع أمم الدنيا. كنائس مار يوحنا مرقس، وسيدة ماريتيم، وسيدة البوابة، تسلَّمتهم الرهبانية اللبنانية المارونية كما سبق وتسلَّمت حقول البور والشوك والقطرب لتُفيضها قمحًا وزرعًا وغرسًا وشجر. واقعة التَّسلُّم والتَّسليم أكثر ما يثبت صحة حجَّتها وشرعية ملكيتها هو تدوينٌ إثباتيّ تأريخيّ ظاهر كتابةً على رخامةٍ مثبتة فوق المدخل الشمالي لكنيسة دير مار يوحنا مرقس، مكتوب العبارات بالحرف الكرشوني هذا نصُّه: “قد تجدَّد بناء هذا الهيكل المبارك في أيام الحبر الأعظم البابا بيوس السادس، أيام البطريرك يوسف أسطفان، وبهمة ومساعدة الشيخ سعد الخوري، وبعناية ربّانية، ورهبنة لبنانية، وطائفة مارونية، تمَّ سنة 1776”. هي متانة ارتباط لا ينفصل وينفصم بين العناية الربانية والرهبانية اللبنانية المارونية والشهود كثر والشهداء أكثر!
عام 1840 وخلال مواجهة عسكرية هوجاء بين عساكر إبراهيم باشا وجيش الإنكليز، انطلقت قذيفة من مدفع بارجة تابعة لأسطول مملكة الملكة فيكتوريا، فأصابت الكنيسة المرقسية الجبيلية ويوحنا مرقس البشير بعيد كل البعد عن كل ما بين المملكة البريطانية وبلاد الفراعنة…
لكنَّهم رهبان لبنان يرفعون حجارة أديارهم بذات خشوع رفعهم قرابين قداديسهم، وبعناد أياديهم التعميريَّة كفَّروا عن ما جنته بارجة الإنكليز بحق ديرهم، ثمَّ عزَّزوا قبة الكنيسة بجرسٍ سبق وكان رفعه من المحرَّمات السلطانيَّة تلك التي ينصُّ عليها قانون “أشمِل”…
عام 1947، تجدَّدت القبَّة هندسةً ليتورجية وبناءً متمايزًا أكتمل وتكامل في العام 2000. رؤساء عامون ووكلاء رهبان وزنوا الدير بوزناتهم منذ تسلَّمته الرهبانية من المير الشهابي إلى أن قام جناح ملحق بأساس الدير تم اعتماده كعليَّة ينطلق منها التبشير بتعليم لغات الأمم الأكثر تداولاً والأنفع اعتمادًا، كما تم اعتماد البناء المستحدث لدير مار يوحنا مرقس مرجعيّة مركزية لعديد الأنشطة الروحية والاجتماعية والوطنية، تعزِّزها محاضرات فكرية علمية لاهوتية تكمِّل بعضها البعض في نشر ثقافة روح العائلة المسيحية كما روح العائلة اللبنانية بصدقها وصدِّيقيها وأصدقائها، إلى أن حلَّت على دير مار يوحنا مرقس سنة 1974 وعهد رئاسة رائد ثورنة رهبانيته الأب لويس خليفة العمشيتي وقيامه بثورة إنجيلية بيبلية رهبانية اقتحامية أرادها اقتحامًا يتوسَّل اقتحام يسوع للهيكل يوم شاعت فيه التجارة… لكنَّ ثورته أنهكت عقله المحلِّق وصدمت أخوةً له رهبانًا وكهنة وأساقفة وعلمانيين لم يستوعبوا اقتحامات لويسيّة لا حدود لها ولا سدود!!
صليبٌ وصليبيّة
دير مار يوحنا مرقس جبيل في ثنائية بنائيه الكنسي والديري ذي المنشأ العمراني الصَّليبي، أليس هو الأحق بالإجابة عن أخطر أسئلةٍ إيمانية تلاطمنا كما لاطم عتوَّ الموج مركب التلاميذ والمعلِّم متناومٌ يمتحنهم:
ـ هل المسيحيَّة بمسيحييها انتصرت وتنتصر بأكتاف ومناكب حاملي صلبانها، أم بعديد وعتاد وحشد واستنفار الحملات الصَّليبيَّة؟… رهبانية الشهداء والأديار الشهيدة، رهبانية شهداء دير مار مارون عنايا وشهداء دير سيدة مشموشة وشهداء دير القديسة تقلا ريمات وشهداء دير مار أنطونيوس قزحيا وجسر المدفون… ثم شهداء دير مار جرجس عشاش، وشهداء دير مار جرجس دير جنين، وشهداء دير مار يوحنا قبيع. رهبانية أديار مار أنطونيوس سير ومار جرجس الناعمة ومار مارون بين سنين مجد المعوش ومار الياس الكحلونية، وأنطش كفرزبد، وأنطش السيدة بعلبك…
وكلما ارتفع السؤال العظيم ارتفاع مصلوب الجمعة العظيمة يسأل عن عنوان الحصن الحصين الباقي للمسيحية الشرقية، من هم الذين يرفعون عناوينهم قبل رهبان اللبنانية المارونية، إنَّ عندهم أصعب الأسئلة وأقساها، كان عندهم أسهل الأجوبة وأسلسها. أجيال مرَّت علينا وأجيالٌ تمرُّ وستمر، جيل رفعه حاملو صلبانه وجيل حطَّت به حملات صليبية، وحامل خطايا العالم يربكنا ويحيِّرنا، يومًا يقرأ على تلاميذه وعلينا أمر اليوم:
“مَن ليس معه سيف فليبع رداءه ويشتري بثمنه سيفَا”… لكنَّه عند مدخل بستان ليلة الأسرار يعود وينهر تلميذه ذي الطباع الحادة سمعان بطرس: “أردد سيفكَ إلى غمده، من أخذ بالسَّيف فبالسيف يؤخذ”!!
دير مار يوحنا مرقس جبيل
إنَّ في ذمَّة قاعتك الرهبانية التثقيفية تدريس سيرة قيدوم الرهبانية اللبنانية المارونية الأخ اسكندر الترتجاني وفيض دمائه السابقة لفيض دماء جثمان أخيه شربل، دماء الصنديد الترتجاني المسفوكة فداء واستشهادًا عند بوابة دير مار مارون عنايا تنفيذًا لأحكام انذار معلمه يسوع: “سيأتي يوم يظنُّ فيه الذين يقتلونكم أنهم يقرِّبون لله قربانًا”!!!