#adsense

أسد سوريا العجوز

حجم الخط

لا يمكن لمن يُتابع تطوّرات مسار "المسألة السورية"، مع ما يرافقها من تجاذباتٍ إقليمية، ودولية، إلاّ ان يتبادر الى ذهنه فوراً، تاريخ السلطنة العثمانية في عقودها الأخيرة.

فالسلطنة العثمانية التي اُنشأت في العام 1453م على يد السلطان محمد الفاتح، وبلغت أوجها في القرنين السادس عشر والسابع عشر، عادت فشهدت في القرنين التاليين فترة ضمورٍ وتراجعٍ وإنهيارٍ عملي، الى ان وقع الإنهيار الفعلي اوائل القرن العشرين.

امّا الأمثولة التاريخية التي يجدر التوقّف عندها ملياً في مسيرة السلطنة العثمانية، فليست دراسة العوامل الداخلية والخارجية التي أدّت الى تفكّكها وانهيارها، وإنما التمّعن في العوامل غير المنظورة، التي أجلّت هذا الإنهيار الحتمي لأكثر من قرنٍ من الزمن، أي منذ القرن التاسع عشر، وحتى اوائل القرن العشرين، ومقارنتها بالأسباب التي ما زالت تقف حائلاً دون إنيار نظام الأسد الكلّي حتى اليوم.

في العام 1853م أطلق قيصر روسيا نيكولا الأول على السلطنة العثمانية، لقب "رجل اوروبا المريض"، فكان واضحاً لديه، كما لدى الدول الخمس الكبرى حينها، بأن "وفاة" "الرجل المريض" بات حتميةً تاريخية، ومسألة وقتٍ ليس إلاّ. وذلك كلّه، على الرغم من محاولة بعض السلاطين العثمانيين إستلحاق أنفسهم باتخّاذ خطواتٍ إصلاحية شكلية، أخفقت جميعها بإعادة إحياء السلطنة، او منع تهاويها في نهاية المطاف…

في الحقيقة، ان تمكّن "رجل اوروبا المريض" من "الصمود"، و"التحايل" على مسار التاريخ عبر تأجيل "إعلان وفاته الرسمية" طيلة هذه المدّة من الزمن، لم يكن نابعاً من قدراته الذاتية، وقد كانت السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر خائرة القوى، وعرضةً لشتّى انواع التفكك، والصراعات، والثورات، والأزمات السياسية، والإجتماعية والإقتصادية، وإنما أسباب هذا "الصمود" حتى اوائل القرن العشرين، تعود بالدرجة الأولى والأخيرة، الى تنازع الدول الخمس الكبرى، اي فرنسا، روسيا، بروسيا، انكلترا والنمسا، طوال القرن التاسع عشر، على تقاسم تركة "الرجل المريض" بعد "وفاته"…

إن إنهيار الأمبراطوية العثمانية لم يكن في حقيقته سوى إنهيار لتركيبة حُكمٍ مُهترئ أدارها بعض(ونُشدّد على كلمة بعض) السلاطين والولاة الفاسدين، ولم يكن بالتالي سقوطاً لمفهوم الدولة التركية، التي، وما إن تخلصّت من نمط حكمها القديم، حتى عاد نجمها الإقليمي والدولي الى التألّق والسطوع مجدداً.

من هنا، فإن وضعية نظام الأسد في سوريا، ليست، بعد كل ما لحق بها من تصدّعات وأزماتٍ وانشقاقاتٍ وثورات، سوى نسخة مُنقّحة عن واقع "رجل اوروبا المريض" في حقبته الأخيرة. فحكّام جمهورية روسيا الإتّحادية اليوم، وعلى غرار سلفهم نيكولا الأول، متيّقنون تماماً، بأن الثورات والإنشقاقات البنيوية والأزمات السياسية، متى ضربت تركيبة نظام حكمٍ مُعيّن، كما يحصل بالنسبة لنظام الأسد راهناً، فمآل هذا النظام هو السقوط لا محالة…

في الحقيقة، إن ما يمنع "أسد سوريا العجوز" من الإنهيار الكّلي اليوم، ليس "نجاحه" باقتحام "بابا عمرو" على دماء الأطفال، ولا "مهزلة الإصلاحات والتعديلات الدستورية"، ولا "الإستفتاءات" الصورية المفبركة، وإنما هو إختلاف الدول العظمى على إقتسام تركة "الأسد العجوز" في هذا الظرف بالذات. فبمجرّد أن يتحقق التوافق الدولي، حتى تتلاقى الإرادة الدولية مع الإرادة الشعبية الداخلية، ويسقط النظام تلقائياً.

إن سقوط نظام الأسد بات مُسلّمة إقليمية ودولية، والخلاف الحالي يدور حول حقبة "ما بعد الأسد" وحول هويّة ورثته المفترضين. وعليه، فإن سقوط نظام "الأسد العجوز" قد يكون مؤجلاً مرحلياً، لكن ذلك لا ينفي واقعة "استفحال المرض" وتدهور اوضاعه السياسية والإقتصادية والشعبية، يوماً بعد آخر.

وبعد، فليدخل نظام "أسد سوريا العجوز" بابا عمرو، وليدخل حمص والزبداني، وإدلب وجسر الشغور… وليدّك ريف حماه وحماه ودمشق وحلب ودرعا، وليعتقل الشعب السوري بأكمله، وليقتل من يشاء، وليذبح كيفما يشاء، وليُقاتل طواحين الهواء والأشباح بقدر ما يشاء… إن ذلك لن يُغيّر في الواقع شيئاً، فما كُتب قد كُتب… ومسيرة الشعوب إنطلقت، ولا يمكن إيقافها بعد اليوم.

لقد سبق لهذا النظام ان كان في اوج سطوته، لكن ذلك لم يمنع الشعب اللبناني من تحطيم حاجز الخوف ودحر الإحتلال في 14 آذار 2005.

ولقد سبق للنظام إيّاه، ان كان مسيطراُ سيطرةً مركزية شديدة وتامّة على كل المناطق السورية أعلاه، وكان متماسكاً، ومُرعباً، ويحظى بغطاء الشرعتين العربية والدولية، ولقد كان يتحّكم بكل مفاصل اللعبة الأمنية والسياسية والعسكرية… ولكن، مع ذلك كلّه، اندلعت شرارة الثورة، وانتفضت درعا، وحمص، وادلب، حماه، وتهاوى معها جدار الصمت والخوف، وحطّم الشعب السوري أصنامه، فدبّ الذعر والشيب في رأس النظام، وحّل العجز محلّ القدرة والتماسك، فصار جلّ ما يستطيع فعله اليوم، هو التحسّر على ماضٍ "مجيد"، والترداد مع الشاعر: "أيا ليت شباب حُكمي يعود يوماً"…

إن "أسدا"ً بكامل شراسته وطاقته وعافيته و"شبابه"، لم يُفلح في قمع وترويض شرذمةٍ من الأحرار بالأمس… فماذا باستطاعة "اسد عجوز" مُشذّب الأنياب والمخالب، فعله اليوم، بمواجهة شعبٍ يغلي في ريعان ربيعه "يريد الحرية والحياة"؟!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل