#adsense

نعمة العلمانية في كاتدرائية

حجم الخط

حين قررت المشاركة في القداس الاحتفالي بمناسبة عيد القديس جوليان شفيع مدينة لومان الفرنسية، لم اكن اتوقع ان ينتهي بي الامر خاشعاً ومبجلاً إحدى ارقى انجازات الجمهورية الفرنسية: العلمانية.

قد يتساءل القارئ: ما هي العلاقة ما بين قداس الهي واحدى انجازات الثورة والجمهورية الفرنسيتين؟ بل قد يسخر من عبثيتي.

إنها الساعة الثالثة بعد ظهر الاحد 31 كانون الثاني، توجهت فيها الى كاتدرائية القديس جوليان القائمة على اعلى تلة في مدينة لومان الفرنسية، وسط احيائها القديمة التي لا تزال تحافظ على النموذج الاوروبي للقرون الوسطى. للوهلة الاولى تظن نفسك امام حصن عظيم، ذلك ان بناء هذه الكاتدرائية استمر ما يناهز الثمانمئة سنة لتنتهي الى شكلها الحالي، مجسدة عظمة الكنيسة المسيحية وجبروتها في اوروبا طيلة العصور الوسطى وحتى بداية القرن التاسع عشر، الا ان صورة هذه العظمة وهذا الجبروت ما تلبث ان تتلاشى عند دخولك حرم هذه الكاتدرائية، ذلك ان وطأة سني العلمانية في فرنسا بادية عليها. فهي فقيرة، باردة، قليلة الاضاءة، رغم احتفاظها بجمالية هندسية رائعة.

اخذت مكاني على احد كراسيها الخشبية الفقيرة، وما هي الا لحظات حتى دخل جوق المرنمين، ومن ثم الكهنة ليتبعهم اسقف المدينة ايف لو سو. في تلك اللحظة، والتي كنت انظر خلالها اسقفاً يرتدي ثيابا تشابه حالة كاتدرائيته فقرا وتواضعا ويحمل في يده عصا خشبية، مرت امامي صورة كنيستي في لبنان. رأيت بطاركة الشرق وانطاكيا واساقفتهما في ازيائهم الفاخرة المزركشة بخيوط الذهب والفضة، والتي بعضها مرصع بالاحجار الكريمة التي تتلألأ الوانا شتى. رأيت عصيهم الذهبية التي يعانقها المخمل الاحمر وتزينها النقوش العديدة. تذكرت بحزن وحنين، وانا طالب التاريخ وابن لبنان وكنيسته المارونية، كيف كان الرحالة الاوروبيون يصفون البطاركة الموارنة القدماء بتلك العبارة الابدية "عصيهم من خشب وقلوبهم من ذهب".

داخل هذه الكاتدرائية الفقيرة، حيث هجر الذهب والفضة صلبانها وكؤوسها المعدنية، ورغم فقر اسقفها وعصاه الخشبية، والصقوعة المهيمنة على زواياها، كان ايمان المشاركين في هذا القداس يشتعل، ليحوّل الصقوعة حرارة دافئة، والفقر المادي غنى روحيا لا اسمى ولا اجمل. لقد احسست في هذه اللحظة بمسيحيتي الحقيقية، وبمارونيتي الاصيلة، تلك المسيحية والمارونية التي كنا نعيشها في ذلك الجبل، وسط بطاركتنا واساقفتنا ورهباننا الذين كانوا يحملون قلوبا من ذهب وعصيا من خشب.

حينها فقط ادركت نعمة العلمانية، التي جردت الكنيسة من سلطانها وغناها الماديين في فرنسا، ولكنها، ولعمري منحتها اعظم سبب لتتقدس وتسمو. لقد جعلتها كنيسة خادمة، كنيسة "غاسلة ارجل" على مثال المسيح في عشائه الاخير.

عند انتهاء القداس السماوي، عدت الى محبستي، وجلست وراء طاولة دراستي؛ كان هناك روح ما تناشدني لأعانق قلمي واكتب عن جمال المسيحية الفقيرة والمناضلة وحيويتها، ولامجد العلمانية!!

المصدر:
النهار

خبر عاجل