

جلس الموفد الرئاسي الأميركي توماس برّاك، سعيدًا الى مائدة الدكتور جعجع في معراب، والسفرة كانت عامرة بالتأكيد، بالأطباق اللبنانية التقليدية العريقة، على شرف الضيف الأميركي. التبولة المجبولة بخضار أرض لبنان، والكبة النية من لحم البقر البلدي الدسم، والفتوش صحن السفرة الملون بخضار جبالنا، والحمص المتبّل الطبق اللبناني العابر للقارات، والخبز المرقوق ابن السنابل التي تقاوم الريح، والمحمّر على صاج عراقتنا وأصالتنا الجبلية النادرة الوجود في كل أصقاع الارض، شرقًا غربًا عربًا وأجانب. بمعنى آخر، تناول بارّاك على سفرة الحكيم، عرقًا لبنانيًا ابن بلد وأصيل، لأن ثمة من حافظ على هذه العراقة بالدم والروح والموقف الشجاع والمقاومة، لتبقى للبنان روح الأصالة تلك، وليبقى لبنان كله سيد أطباق السيادة والكرامة في هذا الشرق. رفع باراك كأس لبنان عاليًا مع الحكيم وشربا نخب لبنان الجميل الآتي لا محالة.
تقولون هو كلام قد يكون مبالغًا فيه لوليمة عشاء. لا، أبدًا، فالكلام من وحي اللقاء الكبير المهم وليس أقل، ويجب أن يُقال. لقاء ما توقعه أحد من الجهات السياسية كافة، إذ يعتبر غالبيتهم أن الموفد الأميركي، إذا اختار أن يكون ضيفًا على عشاء ما، فلن يكون الا عند أركان السلطة أنفسهم، لكن قد يكون فات بعض هؤلاء، وغالبيتهم من ممانعي آخر الأزمان، أن الرجل المحمّل بملف حل سلاح الميليشيا في لبنان، لن يجد جليسًا أفضل من رجل يقابله بملف تحرر لبنان من وطأة الدويلة، وحل سلاح المنظمات غير الشرعية كافة، وعودة الروح الى بلاد الأرز وبسط سلطة الدولة وسلاح الجيش اللبناني وحده على الأراضي اللبنانية كافة، لذلك اختار الموفد الأميركي أن يكون ضيف الحكيم في معراب لأنهما يقرأن في الكتاب نفسه ويتناولان الخبز من معجن واحد وهو سيادة لبنان.
فالضيف العزيز الآتي من مفاوضات شاقة مع أركان السلطة، بشأن سلاح ميليشيا إيران في لبنان، لم ينل بعد الجواب الشافي الكافي من جهة “الحزب”، ولا حتى من جهة الدولة، التي لا تزال تدور الزوايا وتناور حينًا مع “الحزب” وحينا آخر مع نبيه بري بدل أن تدخل الموضوع مباشرة من دون مناورات ومشاورات ولف ودوران، بينما لا جواب شافيًا بالنسبة لأميركا، الا الموافقة المطلقة والسريعة على تنفيذ الاتفاق بين “الحزب” واسرائيل والراعي الأميركي، وهو تسليم السلاح، تسليم السلاح، تسليم السلاح وكل ما عدا ذلك هراء بهراء.
تعب الأميركيون من لفّ اللبنانيين ودورانهم وتلاعبهم بالوقت الثمين المهدور على مقصلة الميليشيا وحلفائها، ويقول اللبنانيون إنه لا يجب على الدولة أن تُدخل “الحزب” طرفًا بالمفاوضات، بل على الدولة أن تأمر الدويلة بتنفيذ القرار وتسليم السلاح فورًا من دون أي شروط مسبقة، أو محاولة فرض الحصول على كسب سياسي ما مقابل تسليم سلاح، دمّر لبنان وهدم الدولة كيانًا وسلطة، وقتل هيبة الجمهورية، ويحاول الآن بكل ما تبقى له من قدرة، على الاستمرار بالنهج التدميري إياه.
يقول اللبنانيون أكثر من ذلك، يقولون إن على الموفد الأميركي، أن يضرب بيد من حديد وألا يفاوض الدولة اللبنانية بموضوع سلاح الميليشيا، بل عليه أن يضعها تحت الأمر الواقع والا لا مساعدات للجيش اللبناني، ولا انفتاح على المجتمع الدولي ككل ما دام هذا السلاح على قيد الوجود.
هذا ما تناوله الموفد الأميركي على مائدة معراب، حيث طالب الدكتور جعجع ضيفيه الأميركيين، باراك وسفيرة الولايات المتحدة في لبنان ليزا جونسون، بضرورة جمع كل سلاح غير شرعي، فلسطينيًا كان أم لبنانيًا، من قبل الدولة اللبنانية، وهو الممهد لقيام دولة فعلية في لبنان. كما شدد الدكتور جعجع على أن “من دون حل جميع التنظيمات العسكرية والأمنية غير الشرعية، وغير القانونية، لا يمكن الوصول إلى دولة فعلية في لبنان”.
هذا هو الطبق الرئيس الذي قدمته معراب لضيفها الأميركي، لذلك استطيب السفرة وفرح بها لأن الاذواق تطابقت تمامًا، وهذا هو الطبق الرئيس الذي على الدولة اللبنانية أن تقدمه للموفد الأميركي، تمامًا كما فعل الحكيم، لأن الحكمة تقول إن من يحني رأسه مرّة سيحنيه لمرات ومرات، ومن يضرب بسيف الحق مرّة ستنحني له الرؤوس كافة، وعلى الدولة أن تأكل من صحن السيادة وتضرب بسيف الحق، لا أن تنحني لجشع الممانعين وتأكل من صحنها طبق سيادة فاسد فيتسمم البلد كله.
على فكرة، استذوق الموفد الأميركي سفرة معراب، ووعد أن لبنان سيكون على موعد مع سفرة مماثلة قريبًا جدًا… صحتين.
