الأحد كان يوم ساحة البرج، أسلاك شائكة كي تفصل بين جمهورين سماهما ساطع نور الدين في "السفير"، السلفيتين، "البعث"، وأحمد الأسير. هذه الساحة كانت الملتقى: فيها "القهاوي" التي يجتمع فيها القادمون من كل الجهات وفيها "اللوكندات" التي ينزل فيها من ليس له بيت في المدينة، وفيها محطات النقل الى الجبل والساحل، وفيها تاريخ البلد موحدا: يوم نسي جورج – بيكو في القنصلية الفرنسية اسماء 25 رجلا يطلبون مساعدة فرنسا على استبداد أربعة قرون، ثمة من حمل تلك الاسماء الى جمال باشا السفاح. صار اسمها بعد مشانقه ساحة الشهداء، واعتادت هي استقبالهم، من جمال باشا الى آخر.
لسنا وحدنا من يترحم على الماضي ويحن اليه. ففيما وقفت "السلفيتان"، كل خلف مد من الاسلاك، كان هناك من يتذكر ان اميركا ختمت – وليست تبدأ – برنامج أبولو، واحالت عرباته على المتحف في كيب كانافيرال. تبدو مشاهد الرجعيات فاقعة في لبنان اكثر منها في سواه. فهذا بلد مات رجاله قبل مئة عام من اجل الحرية، وارتضى الاستعمار ان يكون له علم. وفيما حضرت اسلاك الفصل في الساحة، غاب علم الدولة. ومن شاء البحث عنها أمكنه العثور عليها تحت رايات كثيرة. وولاءات أُخر.
أستعير أيضا من ألمعية ساطع نور الدين: المشهد يختصر الحركات "الصاعدة"، ممثلة بأحمد الاسير ولغته، و"بالخواتم الجنونية" للأحزاب العربية، في الجهة المقابلة. الحركات "الصاعدة" هي الرافضة لكل ما هو قانون مدني. "السلفية البعثية" هي التي اخفقت، خلال 50 عاما من السيطرة التامة في العراق وسوريا والنفوذ الكامل في لبنان، في اقامة دولة مدنية قائمة على الحقوق والمساواة والتقدم، كثمن بسيط لخطف الحرية والطمأنينة والعدل.
مَن من الذين عرفوا الساحة يوم كانت فيها دور نزار قباني وسهيل ادريس وصحيفة محمد البعلبكي ودار "الندوة اللبنانية"، وجريدة فيليب تقلا وتقي الدين الصلح، كان يتخيل هذا المشهد، الذي أفضل ما فيه الاسلاك، لأنها حمت الساحة والبلد، من خطابين، خارج الساحة، خارج البلد، خارج تاريخ البقعة التي ازهرت حرية في عصر جمال السفاح.
في هذا المشهد صورة واضحة لعصر انقضى: في القومية، في السياسة، في الثقافة وفي الحلم الحضاري. كانت الساحة في الاربعينات والخمسينات والستينات والسبعينات، هي رمزه. فعندما كان ينزل المتظاهرون كانوا يرفعون شعار وحدة البلد والأمة. وعندما كانت البواخر ترسو او تبحر في المرفأ القريب، كانت تحمل ارثا جميلا او حداثة جميلة، وكان لبنان ينمو ويكبر على اساس انه النموذج العربي الذي يصعب ان ينمو الا هنا، متجاوزا فسيفسائية المشرق، حاضنا حساسيات الاديان والمناصب، معوضا سقم العدد بعمق التعددية، رافعا فكر القيم الانسانية كالقانون والحرية، عابراً للحدود الفكرية، جامعاً بين التيارات اذا علت.
كان مخيفا بعد ظهر الأحد في ساحة البرج: فريق أمام "النهار"، التي تكتب للحرية منذ 80 عاما وتسجن وتموت في سبيلها، وفريق امام ظلال "الندوة اللبنانية" التي كانت تستقبل اليساريين التاريخيين، أمثال شولوخوف وناظم حكمت، وتضع على المنبر أمامهما علم البلد الذي يستضيفهما.
فريقان ضد الحرية، لأنهما لا يعترفان بوجود الآخر وحقوقه، ولا يعترفان طبعا بالبلد الذي ينتميان اليه بالولادة، ولم ينتسبا اليه بالثقافة او التنشئة، فهو، بالنسبة اليهما، مجرد ساحة، تحتكر في زمن، وتقسم بالاسلاك في زمن آخر، ويتفق محتلوها على منع علم لبنان او الخجل به.
عندما كان سعيد تقي الدين قوميا عربيا كان اشرف القوميين العرب. وعندما صار قومياً سورياً كان أشرف القوميين السوريين. لكنه أصرّ دائماً على حق بشري: أن يبدأ ببلده، كجزء من الأمة العربيّة أو الأمة السورية. لماذا يجب ان تكون الولادة في بعقلين عيباً؟ كم من المشاهد والصور مرت على هذه الساحة. كم من الناس والأفكار. كم من الدول والأمم. كم من الجماهير والاسلاك. أليس كل ذلك كثيراً على بلد صغير معلق مثل جنائن نبوخذنصر؟
حاول الشيخ أحمد الأسير أن يدغدغ مشاعر المسيحيين. بالغ في محاولة الاستمالة، أو أنه كان يحاول الرد على بطرك الموارنة، الذي انتقد الدول التي جعلت الاسلام ديناً لها. والارجح انه كان يعني الدول العربية وحدها، وليس ايضا اندونيسيا وباكستان وايران وبنغلادش. لا يكف البطرك عن مساعيه حيال مسيحيي الشرق. ولكن هل من الضروري في كل مرة اثارة مسلمي الشرق؟ فما هي علاقة لبنان بدين الدول الأخرى؟ او ما علاقة المسيحيين اذا كان السيد حسن نصرالله يقف معلنا انه يؤمن بولاية الفقيه ويوالي الجمهورية الاسلامية؟
لا يشك أحد في نيات البطرك الراعي وحيويته. لكنه يعلن هذه المواقف فيما هو يحاول اقناع المسيحيين بإلقاء التحية بعضهم على البعض وعدم الزحف بعضهم على دور البعض ومواقعهم. وهو لم يضمن الى الآن انهم عندما يلتقون في بكركي، يزيد كلامهم على نعم نعم ولا لا، كما نصح السيد المسيح.
ما أهم هذا القول. كم يجنب الناس من مزالق وكم يحمي الألفة. دور المسيحيين في هذا الاحتدام السياسي والدموي، ان ينأوا بأنفسهم عن أن يكونوا طرفاً في أي صراع لا علاقة لهم به. وهذا كان دورهم من قبل. الا حيث استطاعوا ان يقربوا وان يجمعوا وان يكونوا زيت الرحمة لا زيت النار.
لا ندري كم تعني هذه المسألة الزعماء السياسيين المسيحيين أو كم يدركون أبعادها. كتب وزير خارجية فرنسا المسيو آلان جوبيه، اهم سياسي في عهد ساركوزي، ان فرنسا التاريخية لن تسمح بالتعرض لمسيحيي الشرق، وخصوصا في لبنان؟ كيف؟ لقد ارسل ميتران خلال الحرب حاملة الطائرات "كليمنصو"، فخر القوة الفرنسية، لكنها لم تصل الى جونيه ابدا. في مكان ما، استدارت وعادت. وارسل رونالد ريغان حاملة الطائرات "نيوجرسي" بمدافعها الهائلة ولم يعثر على "فشكها" حتى الآن.
كان اجدى من ذلك، ولو بعد حين، مصالحة البطرك صفير ووليد جنبلاط في الجبل. أو ربما كان الاجدى عدم شن تلك الحروب التي خاضها المسيحيون في ما بينهم، بكل احجام المدافع والرشاشات والمسدسات والسيارات المفخخة. وقد اختلفت اسلحتها الآن، لكن حدتها واثارها قائمة.
ترى هل نعرف حجم اللحظة التاريخية التي نحن فيها؟ مشهد ساحة البرج يوم الأحد لا يدل على ذلك. اصرار احمد الأسير على الانتقال الى بيروت وساحتها، كان عملا سيئا ومسيئا. ونزول مؤيدي سوريا في الجانب الآخر كان عملا صبيانيا مملا خاليا، كالعادة، من أي معنى أو جاذب، محشواً بلغة تهاوت آواخر القرن الماضي، بكل مفرداتها وشعاراتها واشكالها.
غريب اننا لم نتبلغ بعد انهيار السوفيات، وان بوتين يخوض انتخاباته بشعارات الكنيسة الروسية واحلام بطرس الاكبر. ولا سوريا تبلغت ذلك ايضا، كما بينت تظاهرتها ذلك الاحد. او كما يبين دك حمص ومنع الصليب الاحمر من الوصول الى ركامها وما تحت الركام. كل منا يعيش في عصوره الماضية. ولكن ليس الجميل منها. ولا المتسامح. ولا الحالم ولا الطيب ولا الرفيع. قبائل متقاتلة في كل الطوائف. واحزاب تقاتل شعوبها بعد 50 عاما من تجربة خاوية. البعث انتهى في العراق وهو ينتهي في سوريا على جدران ملطخة بالدماء. و"ثورة 23 يوليو" التي خاضت حروب القومية العربية تسلم المفاتيح الى الاخوان المسلمين. وتونس الحبيب بورقيبة تودع آخر مظاهر الدولة المدنية.
في هذا صحيح ما قاله البطرك الراعي من ان الربيع العربي صار شتاء. وكانت علامته مطر الاحد الماضي في ساحة العاصمة، التي حملت ملامح الماضي، سحيقه وحديثه. وكان غياب المستقبل الى هذه الدرجة مخيفا.