أوقعت القوى المفرطة في مبالغاتها فريق الأكثرية النيابية والحكومية في واقع لم تتنبه إليه حتماً مع نشوء حالة هي أشبه بواقع الأكثريات المبعثرة في برلمانات منتخبة على أساس قانون نسبي. واذا كانت التجربة الطالعة تشكل نموذجاً بالمصادفة عما يمكن ان يواجهه برلمان لبناني منتخب بنظام نسبي، يتعادل فيه عامل تحسين التمثيل مع محاذير تعذّر التحالفات الكبيرة، فإن ما يعنينا في هذه التجربة الآن هو استطلاع مصير الشوط النهائي في مسار أكثرية تتقلب على منزلقات متحركة.
بصرف النظر عن الأبعاد السياسية المتحكمة بمواقف الأكثرية والمعارضة، قليلة هي التجارب التي حكمت مجالس النواب المتعاقبة بوجود أقليتين. ما فعله الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط حوَّل المجلس الى أقليتين انعدمت معهما أي قدرة على تكوين أكثرية. بل ان المفارقة تمثلت في ان الكتلة الاشتراكية الصغيرة تكاد تصبح أقوى الكتل المقرِّرة، لأن الأكثرية صارت رهينة لها، فيما الأقلية المعارضة استقت منها قوة مضافة لتعطيل أحادية التصويت.
بطبيعة الحال يمكن في نظام نسبي افتراض تجميع نواب مستقلين أو كتل مستقلة صغيرة لكسر ثنائية فريقين عملاقين يختزلان معظم التمثيل النيابي، بما يقترب من تجميع القوى الوسطية راهناً لو كان لها التمثيل الكافي أو القدرة على الاستقلال عن فريقي 14 آذار و8 آذار بالكامل. غير ان الأكثرية الراهنة وان كانت تتحلى بطول الأناة لعدم فرط أكثريتها بالكامل، لم تقدّم التجربة الناجحة لتجمُّع قوى يقوم على البرنامج الذي يضمن رفقة سلطة وطريق حتى النهاية. أكبر دليل على ذلك ان هذه الأكثرية عجزت عن استقاء تجربة خصومها في الحد الأدنى من التماسك. قوى 14 آذار التي منيت بضربة قاسية لدى فقدانها السلطة أظهرت في معركة الإنفاق الحكومي تماسكاً صلباً مكّنها من "خرق" ملعب الخصم بالإفادة من موقف النائب جنبلاط. أما فريق الأكثرية، وأياً تكن تبريرات سوء التقدير للقوى التي ورطته في مشهد التفكك، فغدا تحالفاً "على القطعة"، وفقَد معظم المكونات الجوهرية والسياسية لتحالفه، ما سيعرّضه تباعاً لهزات متعاقبة لا يؤمن معها جانب رفقة الدرب حتى الانتخابات النيابية.
وأغلب الظن ان هذه التجربة ذاهبة الى تغليب منطق التسوية لا المواجهة، وهي وجهة ستكفل للقوى الوسطية في الأكثرية وحتى لرئيس مجلس النواب نبيه بري الذي رفع راية التسوية أساساً، فرصة قد تكون الأخيرة لمدّ الأكثرية بمصل إضافي يحول دون موتها السريري قبل الأوان المرجو. ومع ذلك تثير التجربة من المقلب البرلماني الصرف اهتماماً بأبعاد لم تخطر قطعاً في بال من لم يتنبهوا الى ان الأكثريات والأقليات في لبنان تغدو سلاحاً ذا حدين حين يجري استسهال المنطق الثأري في السياسة كما في اللعبة الدستورية.