"لا تتركونا بين فكي كماشة". عبارة للناشط السوري محمد عبد الرحمن الذي يتابع أوضاع النازحين الهاربين من بطش النظام السوري الى منطقة مشاريع القاع الحدودية في البقاع الشمالي. وتأتي صرخة محمد على خلفية بلوغ موجات النزوح الى هذه المنطقة رقماً غير مسبوق منذ اندلاع الثورة الشعبية في سوريا بوجه النظام الأسدي. حيث تجاوز عدد الذين وصلوا في يومين فقط الثلاثة آلاف نازح.
الهروب الدامي
ويعرض للظروف الصعبة التي عايشوها أثناء الفرار من عمليات القصف والقنص والاعتقال، بعيد سقوط حي بابا عمرو حيث تمكن الناجون من بلوغ بلدات جوسية والقصير والنزارية المتاخمة للحدود اللبنانية.
ويستطرد محمد: "يبدو أن النظام لم يشفِ غليله رغم الضحايا الكثر الذين سقطوا من الأهالي، فواصل عملياته العسكرية الواسعة في أثر المدنيين العزل في القرى التي نزحوا إليها، الأمر الذي اضطرنا مع المئات من أبناء القرى المذكورة الى الهرب مجدداً تحت وابل من القصف المدفعي وأحياناً المروحي، فضلاً عن عمليات التمشيط بالأسلحة الرشاشة الثقيلة الى الجهة الشمالية لمنطقة مشاريع القاع".
هناك، يتابع محمد: "تبين سقوط أعداد كبيرة منا، بينهم نساء وأطفال لم يستطيعوا الإفلات من رصاص كتائب الأسد، وبعضهم قضى من جراء البرد القارس والثلوج التي كانت تتساقط كثيفة، لتضيف الى مأساتنا عاملاً جديداً لا طاقة لنا على الهروب منه.
"كماشة"
من حيث انتهى محمد، يواصل عضو تنسيقية الثورة السورية في حمص، نزار، فيقول: "الوصول الدامي الى مشاريع القاع حمل معه حكاية معاناة ثانية للنازحين السوريين. الصدمة الكبيرة التي لم نكن نتوقعها أبداً، كانت منعنا من دخول الأراضي اللبنانية رغم حالتنا الصعبة. إذ إن المعنيين كانوا يشاهدون بأم العين كيف تتساقط القذائف والأعيرة النارية علينا من عسكر الأسد، ولم يفتهم مشهد الطقس المثلج والماطر وهو يفتك بصغارنا ونسائنا. وللأسف، اتخذوا إجراءات قضت بمنع دخول كل من لا يحمل أوراقاً ثبوتية، مع العلم أن فرارنا جاء تحت ظروف قاهرة جداً، ودامية جداً وعبر معابر غير شرعية طلباً للسلامة، ولم يكن أحد من الهاربين قادراً لحظة الفرار على ارتداء حذائه فكيف بأوراق ثبوتية، أو مستندات موقعة من عناصر المعبر الشرعي الوحيد حيت عسكر الأسد ينتظر فرائسه".
العزل
المشهد الذي رسمه محمد ونزار، لم يقفل على ما هو أفضل. فالواقع ما زال مقيماً بحسب مشاهداتنا، حيث ينتشر المئات في العراء في منطقة فاصلة بين مشاريع القاع ونقطة العبور الشرعية باتجاه الأراضي السورية في ظل ظروف إنسانية صعبة جداً سواء الأمنية منها أو الطبيعية، ورغم نجاح العشرات من الدخول الى الأراضي اللبنانية بمساعدة سكان محليين متعاطفين مع الثورة السورية، على الرغم من ذلك، ما زال نحو 2000 شخص من فئات عمرية متفاوته ينتظرون مصيراً مجهولاً في منطقة معزولة حيث يرفض السواد الأعظم منهم العودة الى محافظة حمص خوفاً من ما ينتظره على أيدي كتائب الأسد، وفي الوقت عينه يعجزون عن عبور المنطقة الفاصلة الى حيث يعتقدون الأمن والأمان.
ويوضح (خليل) نازح من بلدة القصير: "أن همروجة كبيرة شارك فيها إعلام لبناني محلي عن وصول مسلحين سوريين الى المنطقة، للأسف إن مثل هذا الترويج غير واقعي ولا يمت الى الواقع بصلة، فالحالة التي هربنا فيها لا يعرفها سوى من عايشها لحظة بلحظة، ومن شاهد منظر مئات الهاربين، عليه أن يقدّر في مكان ما، صحة وصوابية قيام مبادرات فردية من شبان ناشطين ساعدونا على العبور وسط مناطق آمنة وخالية من حقول الألغام أو كمائن الشبيحة وحواجز الهجانة في الجبال، وبالتالي لا يجوز استغلال هذا الأمر بل على العكس نحن لا نطلب سوى الأمان الى حين انتهاء الأوضاع الأمنية المتفجرة في بلادنا، ونرفض أن يقوم البعض بإعادة تقديمنا هدية الى نظام القتل والإرهاب في سوريا، وعندما نقول هذا الكلام نعي ما هي حقوقنا الإنسانية وما تكفله لنا شرعة حقوق الإنسان، لذلك نرجو عدم إبقائنا وسط فكي كماشة، وأكثر من ذلك نحن نرجو من في يده الأمر هنا في لبنان عدم السماح بممارسات لا تليق بالبشر".
أرقام
وفي جانب متصل بمأساة السوريين الهاربين الى البقاع، أشارت مصادر جمعية ائتلاف الخير لإغاثة النازحين السوريين الى أن عددهم تجاوز العشرين ألفاً توزعوا على أقضية البقاع.
ولفتت الى أن هذا الرقم أقرب الى الدقة وهو يتطلب مبادرة الإدارات المعنية وبالتحديد الحكومة عبر الهيئة العليا للإغاثة، الى تحرك جدي وفاعل وسريع إذ لا يعقل أن تستمر هذه الحكومة ومن فيها ومعها مستقيلة من مسؤوليتها الإنسانية تجاه أهلنا الهاربين من مجازر آل الأسد وأعوانهم.