ان التاريخ كما يقول احد الفلاسفة هو الرابط الصلب بين مختلف مكونات شعب وأمة – فكيف اذا اصبح في لبنان تاريخين لشعب واحد…؟
ان اخطر ما في مسيرة شعب ان ينقسم في نظرته الى تاريخ بلاده ذاك الانقسام الذي يعكس حقيقة المأزق الوطني المتمثل لدى فريق "8 اذار" – الاكثري زورا – والذي بات يعتبر التاريخ الشريف والمشرف حكراً عليه وحده بينما تضحيات وشهادات وحروب ومقاومات الاخرين لا قيمة لها ولا ضرورة لذكرها.
فكتاب التاريخ اليوم يبدو وكأنه المرآة التي تعكس حقيقة مرة في ان قسما من اللبنانيين لا يرون تاريخ بلادهم الا من خلال تبعيتهم للجار والحليف الاقليميين – وتاريخهما – فيما الشخصية اللبنانية التاريخية الحاضرة والطاعنة في الزمن لاكثر من 4000 سنة قبل المسيح الى يومنا هذا تدهس وتضرب عرض الحائط .
ولان التاريخ إما ان يكون للجميع وإما ان لا يكون – فانه لا يمكن القبول بتزوير او تحريف او انتقاص فيه لاي من معايير الموضوعية والعلمية والمنهجية – سيما وان خلفية الفريق الاخر تنطلق من ان ثوابته هو هي الاكثر وطنية وجدية وأحقية فيما الاخرين لا رؤية لهم ولا حق لهم في الوطنية والرؤية المستقبلية للبنان – فاهم ما في كتاب التاريخ هو صدقه الذي يطال كل شرائح المجتمع ويشعر كل مواطن بانه وامام اي صفحة من صفحات التاريخ معني بجزء من تاريخ بلاده – فأي تاريخ مبتور ومشروع "فتنة" ذاك التاريخ الذي سيميز الناس عنصريا ووطنيا بموجب فحوص دم وطني؟
لنكن صريحين وواضحين: ان الخلاف المستحكم اليوم حول منهاج مادة التاريخ جزء لا يتجزأ من السؤال الاكبر لا بل المسألة الاكبر المتمثلة في تحديد دور لبنان الاقليمي والعربي والدولي اذ ان اي كتاب تاريخ يعكس وسوف يعكس ازمة ثقة بين اللبنانيين طالما بقي دور لبنان في محيطه والعالم ليس موضع اجماع او توافق… ثقة بمدى وطنيتهم تجاه بعضهم… وثقة اتجاه وجودهم مع بعضهم…
فاليوم نحن امام ازمة ثقة بين اللبنانيين – ظهره مشروع منهاج التاريخ وكافة النقاشات التي تدور حول ذاك الموضوع – خصوصا ان المنهاج جاء ليعكس تبني وجهة نظر فريق هو "حزب الله" وحلفاؤه اتباع النظام السوري في لبنان وشبيحته اللبنانيين – من دون وجهة نظر سائر الافرقاء … في اكثر من حدث وواقعة…
ولا غلوا في القول ان قبول الاخر يبدأ بقبول تاريخه… لان التاريخ وجود والوجود كيانية مادية محققة وملموسة – فيما الاستمرار برفض تاريخ الاخر هو بكل بساطة رفض لوجود الاخر ورغبة بمحوه كليا من ارض الواقع والوجود …. ما يشير الى حجم التحدي وخطورة المعركة المدعوون الى خوضها حاليا كقوى وتيارات استقلالية وسيادية …
فهل يكون كتاب التاريخ ومنهاجه الدليل القاطع الصريح دون كذب وتكاذب بأن الهوة بين اللبنانيين اتسعت لدرجة انها باتت غير قادرة على استيعاب شعب واحد لتاريخ واحد؟
الجواب يكمن في مدى قدرة من يتولى وضع المنهاج تخطي 3 مطبات اساسية:
المطب الاول: التشخيص المنحاز للحوادث – بحيث يصار حتى الى تبني مصطلحات غير متكافئة وموضوعية تبعا لتبني روايات غير متكافئة وموضوعية عن الاحداث والوقائع والحقائق التي سجلها التاريخ الحديث في لبنان .
المطب الثاني: الانجرار باتجاه تجهيل مراحل تاريخية اساسية كما مع اغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل واغتيال الرئيس رينيه معوض واغتيال الرئيس رفيق الحريري وسوها من محطات اساسية – ذاك التجهيل الذي يخفي حقيقة معركة علمية من نوع اخر بهدف الغاء دور فريق كبير من اللبنانيين وتضحياتهم وشهاداتهم .
المطب الثالث: عدم المساواة بين اللبنانيين وتضحياتهم – عبر المراحل الزمنية – فالمقاومة مثلا لم تكن اختراعا "حزب الهيا"، بل كانت قبل اي شيء ابتكارا مسيحيا يوم وقف ذاك اللبناني الشريف ليدافع عن لبنان اولاً في وجه المؤامرة التي تستهدف اعطاء لبنان وطنا بديلا للفلسطينينن وتهجير اللبنانيين – ومن ثم يوم وقف المسيحيون في وجه الاحتلال السوري ومحاولات ضم لبنان الى سوريا الكبرى … فمنذ ذلك الحين بدات المقاومة في لبنان والتي اتى بعدها حزب الله في مواجهة اسرائيل – فاي منهاج كتاب تاريخ لا يمكن ان يغفل تلك الحقائق مثلا ولا ان يتخطاها …
فانطلاقا من الملاحظات اعلاه – نرى بأن المعركة في جزء منها اليوم قائمة بين من يريد تاريخ لبنان سيد حر ومستقل ومن يريده تابع لمحاور اقليمية ودولية – وعلى اساس ذلك يطلب ممن يكتب التاريخ ان يكتبه وفقا لتوجه فريق السلاح والقوة المادية الغاشمة على الارض… فحذار الوقوع في المحظور…
اللبنانيون يقدسون تاريخهم بعد معتقدهم الديني … فهو التراث والمخزون الثقافي والحضاري لهم … فالتلاعب به يرادف التلاعب بثوابت الوحدة الوطنية…
فهل بات تاريخنا وجهات نظر… إنه اخطر امتحان …
