صحيفة النهار – نبيل بومنصف
لا تكفي ذريعة الاقتتال الأهلي الطائفي في السويداء، حتى بما شهدته من تدخل إسرائيلي هو الأشد سطوة ميدانيا وسياسيا منذ بدء الحكم الانتقالي لأحمد الشرع، وحدها لتبرير وسبر أغوار رفع الشيخ نعيم قاسم وتيرة موقف “الحزب” الرافض تسليم سلاحه إلى مستوى الارتباط “الوجودي” بالسلاح. بطبيعة الحال يمكن اعتبار هذا السقف الأعلى منذ إعلان اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني الماضي “الاصدق” اطلاقاً في إشهار سردية ربط وجود الحزب بسلاحه أي ان لا “الحزب” بلا سلاح منذ نشأته مروراً بكل مساره ولا موجب تالياً لتوقع موافقة حقيقية له في أي وقت وزمان وظروف على نزع وجوده. لكن إلى جانب هذا البعد الثابت “الأيديولوجي” ثمة في إعلان الشيخ نعيم قاسم الأخير ما يستدعي البحث في الجانب “البراغماتي” أيضا ولعلّه لا يقل أهمية ودلالة عن البعد الأول.
والحال ان تصليب موقف رفض نزع السلاح وبرمجته هذه المرة، قبل أيام من الزيارة الثالثة للموفد المثلث المهمات توم براك إلى لبنان، يوجب الخروج من روتين التهجم والانتقاد والتحذير وما إلى ذلك من انفعالات حيال “الحزب” لاثارة السؤال الأكثر جدية وخطورة من كل الثرثرة المعتادة: علام يتكىء الشيخ نعيم قاسم ونواب الحزب في الآونة الأخيرة لمواجهة اتجاه دولي ساحق ولبناني عارم لا يشذ عنه سوى الثنائي الشيعي (مع كل علامات الالتباس حيال الموقف العميق للرئيس نبيه بري وحركة أمل)، وتحفز إسرائيلي مستدام، في “المغامرة” الجديدة التي قد تفوق خطورتها الساحقة كل المراحل السابقة من تجارب الانزلاق في الحرب منذ 8 تشرين الأول 2023، تاريخ اشهار السيد الراحل نصرالله حرب المساندة لغزة؟
في البعد المباشر الذي لا يحتمل اجتهادات سيمكننا الافتراض ان الحزب، وخلافا لكل السائد منذ اغتيال قادته “التاريخيين” ونخبه المقاتلة وما أصاب ترسانته الثقيلة، لا يزال يقيم على حجم يشكل الحد الأدنى من القدرات الوازنة المخزونة لإعلان موقف ساحق برفضه الان على مشارف الواقعة الثالثة من المفاوضات بين اركان السلطة الرسمية والموفد الأميركي. بذلك سيغدو بديهيا ان نتساءل هل يدرك الرؤساء الثلاثة ومعهم الأجهزة اللبنانية كافة حجم الترسانات المتبقية، لدى الحزب نفسه كما لدى الفصائل المسلحة الفلسطينية وسواها من أشباه ميليشيات في لبنان، فيما هم يفاوضون منفردين ومجتمعين، توم براك على خطة زمنية ممرحلة لنزع كل سلاح غير شرعي في لبنان؟ ثم هل للبنانيين ان يعرفوا ماذا قصد توم براك حين حصر المطلوب اميركيا واسرائيليا فقط بنزع ترسانة الحزب الثقيلة (الصواريخ والمسيّرات تحديداً) وترك الترسانة “الخفيفة” وما يعنيه ذلك من خطورة في تشريع بقاء التسلح الداخلي؟
واما الأبعد والأعمق في خلفية اثارة التساؤلات المشروعة حيال تصليب موقف الحزب وتصعيد الـ “لا” لنزع السلاح فيستحيل فصلها عن القرار الإيراني “وجوديا” بالتحديد وتصور مرونة او تشدد، في أي مفاوضات بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران والصورة الملتبسة المبهمة التي انتهت اليها، لا يكون فيها امر عمليات إيراني لجميع الأذرع الإيرانية وفي مقدمها “الحزب”. من البديهي تركيز الأنظار على الإدارة اللبنانية الرسمية للمفاوضات وطبيعة الردود في لعبة تبادل الأوراق، ولكن اخبرونا أولا أين اميركا وايران في كل هذا.