من السذاجة الظن، ولو للحظة، أن التسريبات الإعلامية التي أقدم عليها “الحزب” عن العلاقة المتوترة بينه وبين الدولة اللبنانية، وأنه أبلغ جهات رسمية بأنه لن يسلّم سلاحه، حتى في حال انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وأنه جاهز للاصطدام مع الدولة إذا فُرض عليه ذلك، من السذاجة الظن بأنه تسريب غير مقصود، أو سقط سهواً، بل هو يعكس قراراً مركزياً اتُّخذ في طهران، مالكة قرار “الحزب”. مع العلم، أن من بين الجهات الرسمية التي “تقصَّد” الحزب تسريب إبلاغها بهذا القرار، كان “الأخ الأكبر” نبيه بري، ليتبيَّن أنه في حقيقة نوايا “الحزب” ونظرته، “ليس كبيراً” بالقدر الذي أراد الإيحاء به، فلا كبير إلا صاحب القرار في طهران، الولي الفقيه.
عن هذا التصعيد من جهة “الحزب” والذي “أُخرج” إلى العلن عن عمد، يرى الكاتب والمحلل السياسي، مروان الأمين، أنه “يمكن أن يحمل خلفيات عدة، لكن في جزء منه، أنه نتيجة التوترات التي حصلت في سوريا في الآونة الأخيرة، اعتبر “الحزب” أن هذا الأمر سيؤدي ربما إلى فوضى فيها، وبالتالي هو يحاول أن يكسب المزيد من الوقت، علَّ هذا الخط والشريان الذي كان يعتمده من خلال بشار الأسد والذي قُطع، يجد شرياناً جديداً يتنفس منه في حال عمَّت الفوضى في سوريا، وبتقديري أنه كلما توتّر الوضع أكثر في سوريا سيزيد “الحزب” من تشدده”.
لكن يبقى الأساس وما يهمّنا ما يحصل في لبنان، وفق ما يقول الأمين لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، مؤكداً أنه “من الواضح أن “الحزب” لا يريد تسليم سلاحه، والقرار الإيراني في طهران هو بعدم تسليم السلاح، لأن “الحزب” هو حزب عسكري وأمني بطبيعة وجوده، وبالتالي في حال سلَّم سلاحه فقدَ علّة وجوده. صلة الوصل ما بين طهران وشيعة لبنان بشكل عام، هي من خلال هذا السلاح الذي يمكّن إيران من السيطرة على شيعة لبنان ووضعهم في خدمة مشروعها، ففي حال سقط وانتهى هذا السلاح، ما الذي يمكن أن تُقدِّمه إيران لشيعة لبنان كي يخدموا مشروعها؟، وما البديل الذي يملكه “الحزب” ليقدّمه لشيعة لبنان؟، لا شيء”.
لذلك، يضيف الأمين: “التمسك بالسلاح هو خيار وجودي بالنسبة لـ”الحزب”، وهنا نصبح أمام عاملين: أولاً، أن تتحمّل الدولة اللبنانية مسؤولياتها، والجيش اللبناني يمارس سلطته وواجبه، بعد أن تتخذ السلطة السياسية القرار الملزِم للجيش والأجهزة الأمنية، بتبليغ “الحزب” بأن مواقع تخزين السلاح ومراكز التدريب وتحركاته وغيرها، لأن الجميع يعلم أماكنها، هذه كلها يجب أن تُقفل وتُسلَّم خلال فترة محددة، أو سيقوم الجيش بمداهمتها”.
يتابع: “بتقديري، عندها سيعيد “الحزب” حساباته، والتصعيد الذي نشهده اليوم لن يكون قادراً على الذهاب به بعيداً، لأن “الحزب” يُصعِّد الآن لأنه يدرك أن الدولة لن تتخذ قراراً جدّياً ضده. لكن شهدنا في مراحل سابقة نماذج أخرى، حين أقدم “الحزب” على قطع طريق مطار بيروت بعد منع الطائرات الإيرانية من الهبوط فيه، وحين كان هناك قرار سياسي أُعطي للجيش بالنزول لفتح طريق المطار بالقوة، انسحب “الحزب” وتراجع أمام الشرعية”.
الأمين يؤكد، أن “نقطة ضعف “الحزب” هي الشرعية حين تتَّخذ قراراً و”تشد ركابها”. لكن حتى الآن، الشرعية لم تتَّخذ القرار، و”الحزب” يعلم أن الشرعية تهادنه وتتجنَّب المواجهة معه، لذلك هو يستقوي عليها ويتمادى، ولكن في حال اتخذت الشرعية قرارها، “الحزب” يتراجع ولا يتجرّأ على مواجهة الشرعية. هذا من جهة”.
من جهة ثانية، يلفت الأمين إلى أننا “نواجه خياراً أو احتمالاً آخر، لا نعلم إن كان سيحصل أو لا، ألا وهو التصعيد العسكري الإسرائيلي. مع إسرائيل نحن أمام خيارين واحتمالين:
إما تذهب إسرائيل باتجاه تصعيد عسكري للقضاء على ما تبقَّى من سلاح “الحزب”، والإسرائيليين واللبنانيين باتوا يعلمون أن “الحزب” لا يُقدِّم تنازلاً لمصلحة لبنان بل يُقدِّم تنازلاً فقط بعد هزيمة أمام إسرائيل، فهذا ما حصل حين رفض “الحزب” فكّ جبهة لبنان عن جبهة غزة، والأمر ذاته حصل في الـ2006 حين منع “الحزب” إرسال الجيش إلى الجنوب قبل حرب تموز 2006 في حين وافق بعدها على إرسال الجيش. واليوم أيضاً، هل ينتظر “الحزب” تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً وهزيمة جديدة أمام إسرائيل، ليبرِّر تسليم السلاح؟، لا نعلم.
لكن من جهة إسرائيل، أيضاً السؤال والاحتمال الآخر، هل هي في عجلة لحلّ مسألة سلاح “الحزب” بأسرع وقت ممكن، خصوصاً أن هذا السلاح لم يعد يشكل خطراً عليها وهي منذ نهاية الحرب حتى الآن تقوم بعمليات استهداف، سواء اغتيال قيادات وعناصر عسكرية من “الحزب” أو ضرب مراكز تدريب ومخازن أسلحة؟”.
يضيف الأمين: “ربما بالنسبة لإسرائيل هي تستطيع تحمُّل السير بهذا السيناريو سنة وسنتين وثلاث ولا مشكلة لديها، فهدف إسرائيل تأمين أمنها وحماية نفسها، وهذا السلاح لم يعد يشكل خطراً جدياً عليها، فكلما حاول “الحزب” ترميم بعض مراكزه أو أي نشاط عسكري، تقوم بضربه. لكن ربما أيضاً تكون إسرائيل في عجلة لإنهاء هذا السلاح، وبالتالي قد تذهب نحو تصعيد حاسم للقضاء على ما تبقَّى من سلاح وهيكلية عسكرية للحزب”.

.jpg)