في تطور سياسي يُنذر بإعادة فتح ملفات شائكة من الماضي القريب، طالب عضوان بارزان في مجلس الشيوخ الأميركي، هما السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن ولاية كارولاينا الجنوبية، وزميله جون كورنين عن ولاية تكساس، بتعيين محقق خاص للتحقيق في احتمال تورط إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في محاولات تقويض حملة دونالد ترامب الانتخابية خلال انتخابات العام 2016.
وتأتي هذه المطالبة بعد الإفراج عن وثيقة جديدة صادرة عن مديرة الاستخبارات الوطنية الحالية، تولسي غابارد، وُصفت بأنها مثيرة للجدل، إذ أعادت فتح النقاش بشأن طبيعة التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وعلاقة ذلك بإدارة أوباما. الوثيقة لم تنكر التدخل الروسي، لكنها قدّمت رواية مختلفة عن السردية السائدة، مشيرة إلى أن بعض مسؤولي إدارة أوباما ربما تلاعبوا بمعلومات استخباراتية لتوجيه الرأي العام ضد حملة ترامب.
وتُعد الوثيقة جزءاً من تقرير سابق للجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي، حين كانت تحت سيطرة الجمهوريين، وقد سلط الضوء على كيفية تعامل إدارة أوباما مع النشاط الروسي المشتبه فيه، دون أن يتهمها صراحة بالتواطؤ. إلا أن غابارد كانت أكثر صراحة، إذ أشارت في تصريحات لها إلى ما وصفته بـ”مؤامرة خيانة”، تتضمن تلاعباً استخباراتياً هادفاً للتأثير على نتيجة الانتخابات.
السيناتور جون كورنين اعتبر في بيان صحفي أن ما حدث يشكل سابقة خطيرة، داعياً إلى فتح تحقيق مستقل لمعرفة ما إذا كانت الإدارة السابقة قد استخدمت أدوات الدولة العميقة لأغراض سياسية. وأكد أن “ادعاءات التواطؤ الروسي كانت مجرد خدعة مفبركة من قبل إدارة أوباما، سعت من خلالها للتأثير على إرادة الناخب الأميركي”. كما أبدى استياءه من الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الليبرالية، متهماً إياها بالتضليل والتحريض المستمر ضد الرئيس ترامب منذ عام 2016.
أما السيناتور ليندسي غراهام، فقد دعم المطالبة ذاتها، معتبراً أن فتح هذا التحقيق ضروري من أجل استعادة ثقة الأميركيين بمؤسساتهم الأمنية والقضائية، مشيراً إلى أن “التاريخ لن يرحم أولئك الذين استخدموا أدوات الأمن القومي للتأثير في العملية الانتخابية”.
في المقابل، جاء رد مكتب الرئيس السابق باراك أوباما سريعاً ونادراً، عبر المتحدث باسمه باتريك رودنبوش، الذي نفى بشكل قاطع صحة تلك الادعاءات، واصفاً إياها بأنها “محاولة مكشوفة لصرف الانتباه عن تطورات قضية جيفري إبستين”، في إشارة إلى رجل الأعمال الراحل الذي يواجه قضيته اهتماماً متجدداً في الإعلام والسياسة الأميركية.
رودنبوش شدد على أن هذه الاتهامات ليست سوى “معلومات مضللة”، مذكّراً بأن لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ التي كانت تخضع لسيطرة الجمهوريين عام 2020، خلصت إلى أن روسيا حاولت بالفعل التأثير على انتخابات 2016، لكنها لم تتمكن من تغيير النتائج. وأضاف أن “الجهات الاستخباراتية أدّت عملها بمهنية عالية، ولا ينبغي استخدامها كأداة في النزاعات الحزبية الضيقة”.
ويُنظر إلى التوقيت الذي طُرحت فيه هذه الوثائق والاتهامات بعين الريبة، إذ تزامن مع تصاعد النقاشات حول قضايا أخرى حساسة، في مقدمتها ملف إبستين، مما دفع بعض المراقبين إلى الربط بين التصعيد السياسي وبين محاولات توجيه اهتمام الرأي العام بعيداً عن قضايا قد تكون أكثر إحراجاً للبيت الأبيض الحالي.
المطالبات الجديدة بإجراء تحقيق مستقل، إذا ما لاقت صدى لدى صناع القرار في الكونغرس، قد تعيد رسم المشهد السياسي والإعلامي الأميركي، وتفتح أبواباً جديدة للمساءلة قد تطال مسؤولين كباراً في إدارة أوباما، وتُنعش خطاب الرئيس ترامب ومؤيديه مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية المقبلة.
