#dfp #adsense

خاص ـ عملية “كوماندوس” قواتية – اشتراكيّة حكوميّة! (جورج حايك)

حجم الخط

كوماندوس

لم يعد الضغط الدولي وحده كافيًا لإجبار “الحزب” على تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، كما ينصّ الدستور والقرارات الدولية والبيانات الوزارية واتفاق وقف إطلاق النار. فالمسألة باتت تتطلّب تحرّكًا داخليًا غير تقليدي يواكب هذا الزخم الدولي الآخذ في التراجع. وليس سرًّا أن المسؤولين اللبنانيين، لا سيّما الرؤساء الثلاثة، أظهروا عجزًا واضحًا عن معالجة هذا الملف، فمبادراتهم تقتصر على الكلام والوعود بشأن حصرية السلاح بيد الدولة، بينما تفتقر قراراتهم إلى التنفيذ الجاد.

من هنا، أطلقت “القوات اللبنانية” خطة فعّالة هدفها وضع ملف السلاح على طاولة مجلس الوزراء، وقد برزت أولى إشاراتها في الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الحزب، الدكتور سمير جعجع، إلى الرئيس السابق لـ”الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط. وتبيّن لاحقًا أن السلاح كان محور اللقاء، إلى جانب ضرورة تفعيل دور الفريق المعارض لاستمرار هذا السلاح، ورفع الصوت لبحث هذا الملف داخل الحكومة، باعتبارها المنصّة الدستورية الطبيعية، لا من خلال لقاءات الرؤساء الثلاثة على طريقة “الترويكا” التي كانت سائدة خلال حقبة الاحتلال السوري.

ولا شك أن مهمة الفريق السيادي ليست سهلة، إذ يتخوّف الرؤساء جوزيف عون ونواف سلام ونبيه بري، من أن يؤدّي طرح الملف إلى انقسام حكومي أو تفجّر الوضع الداخلي بما يُهدّد الاستقرار. لكن لا بد من مصارحة الشعب اللبناني، الذي سئم من تمسّك “الحزب” بسلاحه، بأن المسؤولين عاجزون عن اتخاذ أي قرار حاسم، ولا مفرّ من إحالة هذا الملف إلى مجلس الوزراء. فالفريق السيادي مقتنع بأن الحل يجب أن يكون لبنانيًا، من خلال مؤسسات الدولة، لا عبر الموفدين الدبلوماسيين الأميركيين والأوروبيين والعرب.

وتسعى “القوات” حاليًا إلى تشكيل جبهة وزارية ضاغطة بالتعاون مع وزراء “الكتائب”، و”الاشتراكي”، وبعض المستقلين، لدفع الحكومة إلى تحمّل مسؤولياتها. فكلّما تلازم الضغط الداخلي مع الضغط الخارجي، ارتفعت فرص النجاح. ويبدو أن مساعي “القوات” و”الاشتراكي” قد حقّقت خرقًا نسبيًا بعد زيارة الرئيس نواف سلام إلى قصر بعبدا، واتفاقه مع الرئيس عون على إدراج هذا الملف الحسّاس في جدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء.

وفي حال اقتنع “الحزب” بتحديد مهلة زمنية لتسليم سلاحه وتجنيب لبنان المزيد من الحروب الإسرائيلية، تكون الدولة قد خطت خطوة نوعية نحو الحماية والسيادة. أمّا إذا رفض “الحزب” أو “الثنائي الشيعي”، فسيلجأ الوزراء المعارضون إلى التصويت، وهو حق يكفله النظام الداخلي للحكومة في حال عدم التوافق.

من الضروري أن تُقدم الحكومة على هذه الخطوة، بل من واجبها الدستوري مناقشة هذا الملف المصيري. وإذا أصرّ “الحزب” على رفض تسليم السلاح ضمن مهلة محددة، فسيكون هو وحده مسؤولًا أمام المجتمع الدولي وإسرائيل، وسيتحمّل مع بيئته السياسية تداعيات العمليات العسكرية الإسرائيلية التي باتت نتائجها معروفة: اغتيالات في صفوف قادته وتدمير لمخازن أسلحته. واللافت أن هذه الخطوة، في حدّها الأدنى، قد تؤمّن فصلًا واضحًا بين الدولة الرسمية وقرارات “الحزب” العسكرية، بحيث يتحمّل “الحزب” وحده تبعات مغامراته.

من الواضح أن خطة “القوات” و”الاشتراكي” انطلقت عبر ضغوط متصاعدة على رئيس الحكومة للدعوة إلى جلسة حكومية تتضمّن بند “حصرية السلاح بيد الدولة”. وقد نجح الحزبان في تحقيق تقدّم بعدما تزايدت مطالب القوى السياسية المحلية، إلى جانب عواصم القرار، للرئيسين سلام وعون للتحرّر من “فوبيا” سلاح “الحزب”. فقد بات واضحًا أن تردّدهما يُفقدهما الكثير من رصيدهما الشعبي والدولي، ويُفوّت على لبنان فرصة ذهبية للخروج من أزماته، ويُبقي الأبواب مفتوحة أمام استمرار الهيمنة الإيرانية.

تأتي هذه الخطوة في سياق تحذيرات متصاعدة من الإدارة الأميركية التي تؤكد أنها لن تدعم حكومة تتعايش مع ميليشيا. فالمطلوب اليوم هو تنفيذ فوري لمبدأ نزع السلاح غير الشرعي. الوقت ينفد، والخيارات تضيق: إمّا أن تبادر الحكومة، أو يسقط لبنان في العزلة والانهيار.

والنجاح الكامل لخطة “القوات” يقضي بنقل الجلسة من مجرّد النقاش إلى اتخاذ قرارات حاسمة، وتحديد مهلة زمنية لتسليم السلاح، على أن يتولّى المجلس الأعلى للدفاع التنفيذ. أمّا الاكتفاء بالكلام وغياب الأفعال، فسيحوّل لبنان إلى دولة فاشلة ومنسيّة على خريطة العالم.

من الواضح أن لبنان واقع بين خيارين: لا ضمانات أميركية لردع إسرائيل، ولا قدرة حقيقية لسلاح “الحزب” على التصدي لها. لذلك، من مصلحة “الحزب” أن يتلقّف مبادرة “القوات” بإيجابية، ويشارك في إحالة ملف السلاح إلى الحكومة، ويلتزم بقرار الدولة ومؤسساتها، تفاديًا للأسوأ. أما إذا فشلت هذه الخطة السياسية، فسيكون الكيان اللبناني مهدّدًا بالتفكك، لأن تعدّد السلاح وتنوّع مرجعياته يُمهّد حتمًا للانقسام.

الكرة اليوم في ملعب الحكومة، المطالبة باتخاذ قرار جريء وتاريخي. غير أن الرئيس سلام لا يزال مترددًا، خوفًا من أن يؤدّي طرح ملف السلاح إلى تفكّك الحكومة أو استقالة وزراء “الثنائي”، فتتحوّل حكومته، مع انطلاق العهد، إلى هيئة لإدارة الأزمة فحسب.

والمفارقة أن توقيت الخطة القواتية – الاشتراكية دقيق جدًا، إذ يتزامن مع لحظة دولية حرجة وفرصة تكاد تكون الأخيرة للبنان. فهل يجرؤ أحد على ملاقاة الفريق السيادي في منتصف الطريق لإنقاذ ما تبقّى من الكيان اللبناني؟.

خبر عاجل