في ظل الحرّ الشديد وتزايد درجات الحرارة عالمياً نتيجة التغير المناخي، بدأ العلماء بدق ناقوس الخطر حول تأثير هذا الارتفاع الحاد على صحة الدماغ البشري، وخاصة لدى من يعانون من اضطرابات عصبية معقدة.
حالات مرضية تتفاقم مع الحرارة
قصة الطفل البريطاني “جيك”، الذي شُخّص بمتلازمة درافيت العصبية النادرة، تكشف حجم المعاناة التي قد تسببها الحرارة المفرطة. فمع كل موجة حر، تزداد نوبات الصرع لديه، ويضطر والداه إلى استخدام وسائل تبريد شديدة لمحاولة تجنيبه مضاعفات قد تكون قاتلة. وتشير والدته إلى أن “الحرارة تزيد العبء بشكل كبير، وتجعل التعايش مع المرض أكثر قسوة”.
متلازمة درافيت ليست الوحيدة. يؤكد البروفيسور سانجاي سيسوديا، أستاذ علم الأعصاب في كلية لندن الجامعية، أن أمراضًا مثل الصرع، التصلب اللويحي، السكتات الدماغية، التهابات الدماغ، والصداع النصفي، كلها تتأثر سلباً بالحرارة المرتفعة.
آليات تأثير الحرارة على الدماغ
الدماغ عضو حساس جدًا للحرارة، ويعمل الجسم على تنظيم حرارته بدقة عالية. لكن عندما ترتفع درجة حرارة الجسم بشكل كبير، خاصة أثناء موجات الحر، فإن القدرة على تبريد الدماغ تتراجع. هذا يؤثر على الناقلات العصبية، ويقلّل من كفاءة الدماغ في أداء وظائفه.
وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات في التفكير، تقلبات مزاجية، ونوبات غضب أو اكتئاب. أما في حالات الأمراض العصبية، فقد تزداد الأعراض سوءًا بسبب ضعف القدرة على التعرّق أو اختلال تنظيم الحرارة بفعل الأدوية.
موجات حر قاتلة
بيانات من أوروبا تشير إلى أن موجات الحر الماضية أسهمت في ارتفاع عدد الوفيات لأسباب عصبية، حيث سجلت بريطانيا خلال صيف 2022 ازدياداً في الوفيات المرتبطة بالخرف. كما أظهرت دراسة شملت 25 دولة أن الحرارة المرتفعة تسببت في حالتي وفاة إضافيتين لكل 1000 حالة سكتة دماغية.
التأثير على الفئات الأضعف
كبار السن، والمصابون بأمراض عقلية أو عصبية، والأطفال، هم الفئات الأكثر عرضة للخطر. ويرتفع هذا الخطر في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، والتي تعاني أساساً من ضعف أنظمة الرعاية الصحية، وتواجه موجات حر أكثر حدة وتأثيراً.
النساء الحوامل والأطفال حديثو الولادة
تؤكد الدكتورة جين هيرست، من إمبريال كوليدج لندن، وجود ارتباط واضح بين موجات الحر وارتفاع نسبة الولادات المبكرة، ما يؤدي بدوره إلى زيادة خطر التأخر في النمو العصبي والضعف الإدراكي لدى الأطفال.
خلاصة
مع كل ارتفاع في درجة حرارة الكوكب، لا تتأثر البيئة فحسب، بل يتعرض الدماغ البشري لتحديات خطيرة تتطلب اهتماماً خاصاً. الحفاظ على برودة الجسم، تحسين التهوية، شرب الماء بانتظام، والانتباه لتغيرات المزاج أو التفكير خلال موجات الحر، لم تعد مجرد نصائح صيفية، بل أدوات ضرورية لحماية الصحة العصبية في عصر المناخ المتطرف.
