#adsense

خاص ـ وأخيراً كُسر حاجز الخوف.. لولا سمير جعجع (أمين القصيفي)

حجم الخط

 

سمير جعجع

كم كانت طويلة تلك الأعوام الـ35 التي تطلبَّها الأمر لتنتفض الدولة لكرامتها المغتصبة وتكسر حاجز الخوف. كم حفلت بمآسٍ وحروب وآلام واغتيالات واضطهاد وقمع. كم خُطفت الدولة واستُبيحت واعتُقلت في أقبية التعذيب الممانعة، من نظام الأسد البائد إلى وريثه في الضاحية الجنوبية، بالتوازي مع أشنع وأقسى صنوف التعذيب التي مورست على أحرار لبنان في تلك الأيام البائسة.

وللأسف، كم شاركت الدولة ذاتها الخاطفين والمضطهدين، “حفلات” التعذيب والقهر والاضطهاد والاغتيال في ذلك الزمن الأسود، زمن وصاية الأسد البائد. كم “تفنَّنت” تلك الدولة، الخاطفة والمخطوفة في آن، والمضطَّهِدة والمضطَّهدَة في آن، في “سحق” معارضيها المطالبين بسيادتها واستقلالها وهيبتها وكرامتها بالذات، وبقيت حتى الأمس القريب، وعلى رأس المضطَّهدين كان سمير جعجع وكانت القوات اللبنانية.

كم خافت الدولة من قول كلمة حق في وجه نظام الأسد الظالم، وكم تمادت في خوفها في زمن وريثه الأظلم ـ فظلم ذوي القربى، أبناء البلد، أشد مضاضة. حاولت بعد العام 2005، لكنها لم تصمد ولم تُكمل المسيرة وعادت تركن إلى خوفها. لم تُصدِّق الدولة حتى اللحظات الأخيرة أن نظام الأسد رحل ذليلاً من لبنان، فضاع “المومنتم”، وكان الوريث الإيراني بأداته المحلية جاهزاً لالتقاط الفرصة. حتى بعد سقوط نظام الأسد وفرار بشار الأسد، والضربات القاصمة التي تلقاها محور الممانعة من طهران إلى الضاحية الجنوبية إلى كل ضواحيه، والتحولات الدراماتيكية الجذرية التاريخية في المنطقة والعالم، بقي الخوف يسكن الدولة ويشلّها عن الإقدام والمبادرة لاستعادة ذاتها وسيادتها وقرارها، حتى اللحظات الأخيرة…

في مقال للكاتب الأميركي توماس فريدمان يتحدث فيه عن الاحتلال السوري للبنان، يشير إلى أن الخوف في لبنان لم يعد مرتبطاً بوجود الحواجز العسكرية للجيش السوري، بل أصبح جزءاً من العقلية اللبنانية ونفسية المجتمع. فقد ترسخ الخوف وأصبح جزءاً من الوعي الجمعي اللبناني، حتى بعد انسحاب الجيش السوري، حيث أصبحت القوة السورية متجذرة في العقول والنفوس، مما أدى إلى استمرار حالة الخوف والترقب. فالخوف لم يختفِ بانسحاب جيش النظام السوري (السابق)، بل تحول إلى حالة نفسية مستمرة في المجتمع اللبناني، والسبب أنه خلال سنوات الاحتلال السوري الطويلة في لبنان تمَّ زرع الخوف في العقول والنفوس، واستُخدم عامل الخوف المزروع هذا كأداة سياسية لتوجيه سلوك الأفراد والمجموعات السياسية في لبنان.

هذا ما أدركه النظام الإيراني التوأم للنظام السوري البائد في محور الممانعة، وما مارسته الأداة الإيرانية الوريثة في لبنان، تحديداً “الحزب”، بامتياز. زرع الخوف في المجتمع والدولة والاستثمار فيه بكل الوسائل، بالمواقف والاعتداءات والهجومات والبروباغندا والتحريض والاتهامات، وصولاً حتى إلى الاغتيالات، فكل شيء مباح لفرض السيطرة على لبنان الدولة والشعب وعدم إعطاء فرصة لهما لالتقاط الأنفاس، أو التقاط نفحة شجاعة كامنة تنتزع الخوف من النفوس والعقول وتنتفض للمواجهة.

لكن، وسط كل تلك السنوات الـ35 العجاف، لم يتملك الخوف من كل الناس، بقيت بقية رجال لم يعرف الخوف طريقاً إلى قلوبهم أبداً. بقي سمير جعجع و”القوات اللبنانية”. كانوا يدركون أن “دوام الحال من المحال”، على ما كان يطيب للبطريرك المثلث الرحمات مار نصرالله بطرس صفير ترداده زمن الوصاية السورية البائدة.

من قلب أقبية التعذيب، من قلب الاعتقال والاضطهاد والتهميش والعزل، بقي من يجرؤ “حيث لا يجرؤ الآخرون”. كان سمير جعجع يدرك أنه لا يستطيع أن يطلب من كل الناس أن تكون “قوات”، ألا تخاف، أن تصمد، أن تواجه، فـ”مش هينة تكون قوات”. لكنه كان يدرك بالفعل ذاته، أنه يكفي أن تبقى الخميرة الصالحة التي لا يدركها العفن، أن تبقى خوابي الزيت المبارك الذي لا ينضب، أن يبقى الملح الذي لا يفسد، أن يبقى سمير جعجع وتبقى القوات اللبنانية على المبادئ والثوابت والقناعات والوفاء كله، ليبقى الأمل، مهما طال الزمن ومهما بلغت الصعوبات والتضحيات، فلا بد للخوف أن ينكسر.

وبالفعل، “دوام الحال من المحال”. وأخيراً، كسرت الدولة حاجز الخوف. انتفضت لكرامتها المغتصبة على مرّ 35 عاماً مضت. حزمت أمرها واتخذت القرار باستعادة سيادتها وقرارها وهيبتها الكاملة، ومهما حاول الحزب “التنتيع والمنتعة”، فلا يمكن العودة إلى الوراء لألف سبب وسبب. تجرأ جوزيف عون، ويُكمل. لم يتأخر في الرد على “تخرصات” بيان “الحزب”، ليؤكد بكل حزم أن “حصرية السلاح ستتحقق على الرغم من الصعوبات والعوائق، وننتظر خطة الجيش لحصر السلاح لمناقشتها وإقرارها”.

تجرأ نواف سلام، وسائر الجريئين من الوزراء على اتخاذ القرار الشجاع باستعادة الدولة، فمن واجبهم وحق اللبنانيين عليهم أن يعيشوا في دولة طبيعية كسائر دول البشر، وهم قاموا بواجبهم. وعلى الهامش هنا، لا بأس من إيراد ما قاله قيادي بارز في “القوات اللبنانية” في هذا السياق وهو يسجّل لجوزيف عون ونواف سلام والوزراء جرأتهم وشجاعتهم، “يبدو أنه بات علينا في “القوات” توسيع باب الانتساب إلى نادي “حيث لا يجرؤ الآخرون”.

لكن، ولكي لا نفرط في الأمل والتفاؤل، أو كي لا يتهمّنا البعض بأننا نفعل. هي بداية الطريق الصحيح لعودة الدولة بكامل مواصفاتها، وللتخلص من كل سلاح غير شرعي، ومن كل تشبيح واستقواء وسلبطة. وبالتأكيد، هذه المسيرة التي أطلقها جوزيف عون ونواف سلام والوزراء، بحاجة إلى المواكبة والتحصين والدعم والمتابعة الدؤوبة، لأن إيران وذراعها ستستمر في “التنتيع” ومحاولة وضع العراقيل في دربها وإحباطها.

لكن، لا شك أن عون وسلام يدركان الصعوبات والعراقيل، وعون نفسه أشار إلى العراقيل الواردة، لكنه على ثباته وأكد أن حصرية السلاح ستتحقق، كما أشرنا. وفي كل الأحوال والأهم، يعلم المعرقلون المحتملون، مهما أنكروا، أنهم حتماً خائبون، لأنهم يدركون أنه مهما كان الأمر، سمير جعجع هنا، “القوات اللبنانية” هنا، الداعم الأكبر لمسيرة استعادة الدولة وتحريرها، وكلما سارع هؤلاء للتأقلم مع هذا الواقع الجديد، كلما وفّروا على أنفسهم وناسهم وعلى الوطن المزيد من الخسائر، وسرّعوا في عملية النهوض وعودة الاستقرار وإعادة الإعمار التي تصبّ في مصلحة جميع اللبنانيين من دون تمييز.

خبر عاجل