
في لحظةٍ نادرة من تاريخه السياسي، قرّر لبنان أن يسلك طريق الدولة حتى نهايته. قرار الحكومة بحصر السلاح بيد الجيش لم يعد تفصيلًا في لعبة التوازنات الداخلية، بل محطة تاريخية تضع الكيان أمام خيار مصيري: إمّا أن يخرج من أسر الميليشيا إلى منطق الدولة، أو يسقط في هاوية “اللا منطق” الذي يحاول “الحزب” تكريسه كمعادلة وجود.
ما الذي يعنيه “منطق اللا منطق”؟ إنه قلبٌ للواقع: أن يصبح بقاء السلاح خارج الدولة شرطًا لبقاء لبنان، وأن يتحوّل تسليم السلاح إلى الدولة – وهو الشرط الطبيعي لأي عقد اجتماعي – إلى تهديد بالانتحار الأهلي. هذه معادلة لا تستقيم لا في التاريخ ولا في السياسة. فالدول لم تُبنَ يومًا على احتكار ميليشيا للسلاح، بل على احتكار المؤسسات الشرعية للعنف. وحركات التحرر لم تتحوّل إلى قوى دولة عبر التمسك بأدواتها السابقة، بل عبر الانخراط في منطق المؤسسات. ما يحاول “الحزب” فرضه اليوم هو استثناء قاتل: أن يبقى خارج الدولة وأن يمنعها في الوقت ذاته من أن تقوم.
التهديد الذي أطلقه نعيم قاسم بأن “لا حياة في لبنان” إن مضت الحكومة في قرارها ليس مجرد زلة لسان سياسية، بل تكثيف لمعادلة اللا منطق: إمّا أن تنكسر الدولة أمام “الحزب”، أو يدمّر “الحزب” الدولة. في الحالتين، يقدَّم الخراب كخيار وحيد. لكن الواقع الاستراتيجي والسيكولوجي يقول عكس ذلك: لا حزب يمكنه أن ينتصر على الدولة إلى ما لا نهاية، ولا دولة تستطيع أن تبقى دولة إن تراجعت أمام سلاح حزب.
أزمة نفسية جماعية لا سياسية فقط
“الحزب” في جوهره ليس حزبًا سياسيًا يملك جناحًا عسكريًا، بل تنظيم عسكري مسلّح يملك ذراعًا سياسيًا لحماية سلاحه وضمان وجوده. دخوله الحياة السياسية لم يكن يومًا من باب مشروع وطني أو رؤية إصلاحية للدولة، بل من أجل توفير غطاء مؤسسي لميليشيا دينية مرتبطة عقائديًا وتنظيميًا بالولي الفقيه، وفق ما يصرّح مسؤولوه أنفسهم مرارًا. إنه تنظيم لا يعترف بالدولة اللبنانية كمرجعية عليا، بل يتعامل معها كواجهة شكلية لشرعنة سلاحه. ومن هنا، يصبح قرار الحكومة بحصر القوة المسلحة بيد الجيش تهديدًا مباشرًا لبنيته الأساسية لا مجرد نقاش سياسي حول دوره.
يعيش “الحزب” اليوم مأزقًا يتجاوز السياسة إلى أزمة في النفسية الجماعية. فمنذ نشأته، بُني خطابه على صورة “المقاومة التي لا تُهزم”. لكن لحظة المواجهة مع قرار الدولة تكشف هشاشة هذه الصورة: ماذا يبقى من “هوية المقاومة” إذا انتُزع السلاح؟
هذه الأزمة تولّد مزيجًا معقّدًا من الظواهر؛ فـ”الحزب” يعيش عقدة اللا عودة، إذ يعتبر أنّ التخلي عن السلاح يساوي محو هويته، فيرفع السقف حتى حدّ التهديد بالانتحار الأهلي. وفي الوقت نفسه يواجه انفصامًا في خطابه وبيئته، حيث يتأرجح جمهوره بين الاعتزاز بتاريخ التحرير وبين إدراك واقعي بأن السلاح تحوّل إلى عبء على حياتهم اليومية واقتصادهم وأمنهم.
يضاف إلى ذلك الخوف العميق من هزيمة داخلية مختلفة عن كل معاركه السابقة، فالجماعة التي اعتادت تقديم نفسها منتصرة في المواجهات مع إسرائيل تجد نفسها اليوم مهدَّدة بالانكسار أمام دولة يُفترض أنها وطنها، وهي هزيمة أخطر على المعنويات من أي معركة عسكرية.
بهذا المعنى، خطاب “الحزب” العالي النبرة ليس دليل قوة، بل انعكاس قلق سيكولوجي عميق: الخوف من فقدان الهوية أمام لحظة تاريخية تفرض منطق الدولة.
خطورة اللا منطق
إن أخطر ما في هذا المنطق أنّه يفتح الباب أمام سابقة كارثية: إذا كان السلاح هو المرجعية العليا، فمن يمنع غدًا أي طائفة أو فئة من إعادة التسلح بحجة الدفاع عن نفسها؟ هذا هو الطريق السريع إلى تفكيك لبنان نهائيًا وتحويله إلى ساحة ميليشياوية مفتوحة. وبذلك، يصبح “الحزب” الذي يرفع شعار “الحماية” هو نفسه صانع الانهيار البنيوي للكيان.
وفي قلب هذا الانسداد يقف اللبناني العادي، الذي يختنق تحت كلفة السلاح على حياته اليومية: بيئة شيعية أثقلها الانهيار، ومجتمع منهك فقد ثقته بقدرة الدولة على حمايته ما دامت هناك قوة فوقها تتحكم بمصيره. هنا يظهر التناقض الفاضح بين خطاب الحماية وواقع الخنق المعيشي والسياسي.
لكن التاريخ يُعلّمنا أن اللا منطق لا يدوم. الاتحاد السوفياتي ظنّ أن القمع وحده يحميه فانهار، وحركات المقاومة في العالم تحوّلت إلى قوى سياسية طبيعية فقط حين قبلت قواعد الدولة، والأنظمة التي تمسّكت بالاستثناء على حساب الشرعية سقطت جميعها. وحده المنطق يصمد: منطق الدولة، منطق القانون، منطق المؤسسات.
الدولة هي المنطق
إن الإصرار على “منطق الدولة” ليس سعيًا ساذجًا لعودة ماضٍ مثالي لم يوجد أصلًا، بل هو الرهان الوحيد على مستقبلٍ ممكن، حتى وإن كانت أدوات هذه الدولة الحالية منقوصة ومثقلة بإرثها. واليوم، الدولة اللبنانية ليست وحدها. حصار إيران، تبدّل الموازين الإقليمية، الإجماع العربي ـ الغربي النادر، والمشروطية الاقتصادية التي تربط أي تمويل أو إعمار بالتقدم في حصرية السلاح، كلها عناصر تجعل “منطق الدولة” ليس فقط ممكنًا بل إلزاميًا، وتجعل “اللا منطق” انتحارًا حتميًا.
الواقع أن منطق اللا منطق الذي يحاول “الحزب” فرضه ليس قدرًا، بل مرحلة مقاومة يائسة أمام مسار تاريخي أكبر منه. الدولة قد تتأخر، قد تتعثر، لكنها في النهاية ستعلو، لأن التاريخ لم يعرف كيانًا بقي حيًّا بغير منطقها.
لقد وصلنا إلى لحظة الحسم: لا بدّ أن يُحسَم فيها الخيار، لكن ما لا يمكن لعاقل أن يتصوره هو أن تنكسر الدولة لمصلحة “الحزب”. لأن الدولة حين تنكسر لا يعود هناك لبنان أصلًا، بينما “الحزب” حين ينكسر أمام الدولة يتحوّل إلى حزب سياسي طبيعي، يحتفظ بقاعدته الشعبية ويشارك في اللعبة الوطنية كغيره. الفارق جوهري: انكسار الدولة يعني زوال الكيان، أما انكسار “الحزب” أمام الدولة فهو عودة لبنان إلى الحياة.
منطق السلاح مات، ومنطق الدولة يولد من رماده، وما بينهما ليس سوى فراغ يبتلع لبنان إن لم يُحسم الخيار الآن.